علة عدم قيام الأئمة (ع) بالسيف بعد الإمام الحسين (ع)
السؤال: لماذا لم يقم الأئمة (ع) على حكام زمانهم كما فعل الإمام الحسين (ع)؟
الجواب:
السؤال عن استرداد الأئمة (ع) للخلافة المغصوبة بالثورة المسلحة، ومن ثمّ إقامة دولة العدل الإلهيِّ، تكرّر كثيراً على مسامعهم (ع) بعد وقعة كربلاء خصوصاً، وبالمقابل كانت إجابتهم (ع) واحدةً في مضمونها: عدم اجتماع مقوّمات القيام وشروطها الموضوعيَّة والماديَّة؛ إذ من المعلوم أنَّ حجج الله تعالى مأمورون بالعمل وفق الأسباب الطبيعيَّة للأمور، لا بمعزلٍ عنها، وبتتبَّع الروايات نجد من أبرز الشروط التي تحدثوا عنها:
أولاً: توفر الكفاية من الأنصار الأكفاء والمخلصين بالمعنى التام؛ العارفين بالأحكام الشرعيَّة والملتزمين بها، المتصفين بالبصيرة النافذة والهمة العالية والشعور العالي بالمسؤوليَّة والاستعداد المطلق للتضحية، أصحاب ثباتٍ وتسليمٍ وتصميمٍ على الوجه الأكمل فلا تزعزعهم المِحن والبليات، ولا تزيلهم الشُبه والمغريات؛ والذي منهم سيتم تشكيل طبقات ووحدات القيادة في مختلف الأصعدة والمستويات.
ثانياً: النضوج الأمنيُّ والتدبيريُّ الفطن والانضباط الواعي.
ثالثاً: وجود ضعفٍ وتخلخلٍ أو نضوج عوامل انهيارٍ في دولة الظلم يمكن معها أنّْ تتشكل فرصةٌ سانحةٌ ومؤاتيةٌ للقيام.
وجاء التنبيه على الشرط الأول في رواية الكلينيُّ (ره) بسنده عن سديرٍ أنَّهُ قال: «دخلت على أبي عبد الله (ع) فقلت له: والله ما يسعك القعود! فقال: ولمَ يا سدير؟ قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك، والله لو كان لأمير المؤمنين (ع) ما لك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيمٌ ولا عديٌ! فقال: يا سدير، وكم عسى أنْ يكونوا؟ قلت: مائة ألفٍ. قال: مائة ألفٍ؟ قلت: نعم، ومائتي ألفٍ. قال: مائتي ألفٍ؟ قلت: نعم، ونصف الدنيا. قال: فسكت عني... فقال: والله يا سدير، لو كان لي شيعةٌ بعدد هذه الجِداء ما وسعني القعود، ونزلنا وصلينا فلمّا فرغنا من الصلاة، عطفت على الجداء فعددتها، فإذا هي سبعة عشر» [الكافي ج2 ص242].
ثمّ لا شك أنَّه (ع) قصد من الشيعة المعنى الأكمل والأتم. وقد وردت في ذات السياق رواياتٌ كثيرةٌ تُراجع في محله رعايةً للاختصار؛ كالقضية التي جرت بينه (ع) وبين سهل الخراسانيّ، ووصية النبيّ (ص) لأمير المؤمنين (ع)، والحديث الذي دار بين الإمام زين العابدين (ع) وعباد الصوفي في الحج، وحديث أبي مريم عن الإمام الباقر (ع) والقبض على الجمرة. [ينظر: مناقب آل أبي طالب ج4 ص237، كمال الدين ج1 ص264، من لا يحضره الفقيه ج2 ص219، الكافي ج8 ص227–228].
وفي التنبيه إلى الشرط الثاني وردت رواياتٌ كثيرةٌ أيضاً:
منها: عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «يا ثابت، إنَّ الله تعالى كان وقّت هذا الأمر في السبعين، فلمّا قتل الحسين (ع) اشتدَّ غضب الله على أهل الأرض، فأخّره الله إلى أربعين ومائه سنة، فحدّثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم قناع السر، فأخَّره الله ولم يجعل له بعد ذلك عندنا وقتاً» [الغيبة للطوسيّ ص428].
ومنها: ما ورد عنه (ع): «لقد قرُب هذا الأمر ثلاث مراتٍ فأذعتموه، فأخّر الله، والله ما لكم سرٌ إلَّا وعدّوكم أعلم به منك» [تحف العقول ص226].
ومنها: ما ورد عن الإمام زين العابدين (ع): «وددت والله أنّي افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض لحم ساعدي: النّزق وقلّة الكتمان» [الكافي ج2 ص221]. والنّزق: الطيش والخفّة والعجلة بكل أمر في جهل وحمق قبل استكناه الأمر والتدبر فيه. ومنه الطيش والخفّة وقت الغضب. [ينظر: مقاييس اللغة ج5 ص416، لسان العرب ص4398، ومرآة العقول ج9 ص186].
وفي التنبيه إلى الشرط الثالث روى الشيخ الكلينيّ عنه أيضاً (ع): «...إنَّ الله لا يعجل لعجلة العباد، ولإزالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقض أجله...» [الكافي ج8 ص274].
كلُّ هذا مع ملاحظة أنّه بتقادم الزمن وتصلب شوكة دولة الظلم، تزداد الشروط صرامة، فيحتاج الإعداد لها مزيداً من المُكنة والجهد، فقد ورد أنَّه في بادئ انقلاب السقيفة كان يتطلب تدارك الأمر أربعين رجلاً فقط بمثل بصيرة سلمان والمقداد (ره) [ينظر: كتاب سليم ص218].
ثمّ السؤال المطروح لا يقتصر في جوهره على مرحلة ما بعد الإمام الحسين (ع)، بل يمتد ليشمل مواقف سابقةً أيضاً:
مثل: موقف النبيِّ (ص) حين صبر على أذى قريشٍ ولم يواجههم عسكرياً في مكة.
ومثل: موقف أمير المؤمنين (ع) بعد انقلاب السقيفة، حيث آثر الصبر.
ومثل: موقف الإمام الحسن (ع) حين هادن معاوية.
وفي جميع هذه الحالات كان السبب واحداً: غياب الشروط والظروف الكافية لنجاح القيام، بل الارتداد السلبيُّ العكسيُّ على بيضة الإسلام أو الإيمان ومجتمع الصالحين.
أما إصرار الإمام الحسين (ع) على رفض بيعة يزيد، رغم إدراكه قلَّة الناصر وكثرة العدو؛ فلأنَّه رأى أنَّ الأمة قد بلغت مرحلة الاحتضار في وجدانها ودينها، ووصلت في مسارها الخاطئ والابتعاد عن البوصلة الحقيقيَّة التي جعلها النبيُّ (ص)، أي: الكتاب الكريم وأهل البيت (ع) إلى نقطةٍ لا رجعة بعدها؛ بحيث أصبح الخطر يداهم ويهدد أصل وجود الإسلام المحمديِّ الأصيل وبقائه. لقد أدرك (ع) أنَّ السكوت في تلك اللحظة يعني ضياع الدين المحمديِّ إلى الأبد، ومن هنا استرخص (ع) نفسه وكل ما عزَّ من العيال وفلذ الأكباد من ولده وولد إخوته وأبى البيعة للطاغية يزيد والأخذ بالتقيَّة؛ حيث شخّص (ع) أنَّ لا تقيَّة في مثل المورد ولو كلَّفه ذلك أنْ يجاهد القوم وحده ويتعرَّض لسفك الدم بالطريقة المهولة التي حصلت في كربلاء؛ ولهذا قال (ع): «من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح» [كامل الزيارات ص76]، والمقصود بالفتح هنا ليس النصر العسكريَّ، بل الفتح المعنويُّ والتاريخيُّ المتمثل في إيقاظ الأمة من هجعتها، وإنقاذ الرمق الأخير من وجدانها وضميرها وتصحيح مسارها ولو بالنظر إلى المدى البعيد والتراكميِّ، وحفظ الإسلام المحمديِّ الأصيل الذي أراده الله ورسوله، وإبقاؤه حيّاً قائماً متاحاً أمام الأجيال المتعاقبة إلى أنْ يُكتب له الظهور التامّ على يدي مقيم دولة العدل الإلهيِّ (عج)، فكان (ع) بحراكه هذا قد كفى بقية الأئمة (ع) مؤونة القيام من هذا الجانب؛ ولذا كان الملاحظ منهم (ع) بعد الإمام الحسين (ع) الاقتصار في الهداية والإصلاح والتغيير على الأساليب والوسائل الناعمة ما دامت ظروف القيام غير متوفرةٍ.
اترك تعليق