رؤية الإمام المهدي (عج) في الغيبة الصغرى
السؤال: هل روايات رؤية الإمام المهدي (عليه السلام) في زمن الغيبة الصُّغرى وفي حياة والده ـ بغض النظر عن الغيبة الكبرى ـ مستفيضة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
في البدء لابدَّ من الالتفات إلى أنَّ الروايات الدالَّة على ولادة الإمام الحجَّة (عليه السلام) ووجوده تجاوزت حدَّ التواتر، فضلاً عن الأدلَّة الأُخرى التي سيقت في هذا المجال، كالأدلَّة الواردة في التاريخ والتراجم والأنساب والعقيدة وغيرها، كما هو واضح، ثمَّ إنَّ (الاستفاضة) في الاصطلاح تعني الخبر الذي كثر رواته في كلِّ طبقة، والحد الأدنى لهذه الكثرة التي عليها أكثر أهل العلم هو ما رواه أربعة. [يُنظر دروس في علم الدراية للشيخ أكرم بركات العامليّ في باب أقسام خبر الواحد من حيث عدد الرواة ص40].
إذا بان هذا عزيزي السائل فنقول: إنَّ الروايات الواردة في مشاهدة الإمام الحجَّة (عليه السلام) في زمن أبيه (عليه السلام) تجاوزت حدَّ الاستفاضة، كما سوف يتَّضح إنْ شاء الله تعالى، نذكر جملةً منها:
1ـ روى الشيخ الكلينيُّ (طاب ثراه) عن علي بن محمَّد، عن جعفر بن محمَّد الكوفيّ، عن جعفر بن محمَّد المكفوف، عن عمرو الأهوازيّ قال: «أراني أبو محمَّد ابنه وقال: هذا صاحبكم من بعدي» [الكافي ج1 ص٣٢٨].
2ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) عن علي بن محمَّد، عن الحسين ومحمَّد ابني علي بن إبراهيم، عن محمَّد بن علي بن عبد الرحمن العبديّ ـ من عبد قيس ـ عن ضوء بن علي العجليّ، عن رجلٍ من أهل فارس سمَّاه قال: «أتيتُ سامراء ولزمتُ باب أبي محمَّد (عليه السلام) فدعاني، فدخلتُ عليه وسلَّمتُ فقال: ما الذي أقدمك؟ قال: قلت: رغبة في خدمتك، قال: فقال لي: فالزم الباب، قال: فكنتُ في الدار مع الخدم، ثمَّ صرتُ أشتري لهم الحوائج من السوق وكنتُ أدخل عليهم من غير إذن إذا كان في الدار رجال، قال: فدخلتُ عليه يوماً وهو في دار الرجال فسمعتُ حركة في البيت فناداني: مكانك لا تبرح، فلم أجسر أنْ أدخل ولا أخرج، فخرجتْ عليَّ جاريةٌ معها شيءٌ مغطَّى، ثمَّ ناداني ادخل، فدخلتُ ونادى الجارية فرجعت إليه، فقال لها: اكشفي عمَّا معك، فكشفتْ عن غلامٍ أبيض حسن الوجه وكشف عن بطنه فإذا شعرٌ نابت من لبته إلى سرته أخضر ليس بأسود، فقال: هذا صاحبكم، ثمَّ أمرها فحملته، فما رأيته بعد ذلك حتَّى مضى أبو محمَّد (عليه السلام)» [الكافي ج1 ص٣٢٩].
3ـ وروى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) عن أبي طالب المظفَّر بن جعفر بن المظفَّر العلويّ السمرقنديّ قال: حدَّثنا جعفر بن محمَّد بن مسعود، عن أبيه محمَّد بن مسعود العيَّاشي قال: حدَّثنا آدم ابن محمَّد البلخيّ قال: حدَّثني علي بن الحسين بن هارون الدقّاق قال: حدَّثنا جعفر بن محمَّد بن عبد الله بن قاسم بن إبراهيم بن مالك الأشتر قال: حدَّثني يعقوب بن منقوش قال: «دخلتُ على أبي محمَّد الحسن بن علي (عليهما السلام) وهو جالسٌ على دكان في الدار، وعن يمينه بيت عليه ستر مسبل، فقلت له: يا سيدي، من صاحب هذا الأمر؟ فقال: ارفع الستر، فرفعته فخرج إلينا غلامٌ خماسيٌّ له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض الوجه، دريُّ المقلتين، شثن الكفين، معطوف الركبتين، في خدِّه الأيمن خال، وفي رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمَّد (عليه السلام) ثمَّ قال لي: هذا صاحبكم، ثمَّ وثب فقال له: يا بني، ادخل إلى الوقت المعلوم، فدخل البيت وأنا أنظر إليه، ثمَّ قال لي: يا يعقوب، انظر من في البيت، فدخلت فما رأيت أحداً» [كمال الدين وتمام النعمة ص407].
4ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) عن محمَّد بن موسى بن المتوكِّل (رضي الله عنه) قال: حدَّثنا عبد الله بن جعفر الحِميريّ قال: حدَّثنا محمَّد بن أحمد العلويّ، عن أبي غانم الخادم قال: «ولد لأبي محمَّد (عليه السلام) ولد فسمَّاه محمَّداً، فعرضه على أصحابه يوم الثالث، وقال: هذا صاحبكم من بعدي، وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتد إليه الأعناق بالانتظار، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً خرج فملأها قسطاً وعدلاً» [كمال الدين وتمام النعمة ص٤٣١].
5ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) عن محمَّد بن علي ماجيلويه (رضي الله عنه) قال: حدَّثنا محمَّد بن يحيى العطَّار قال: حدَّثني جعفر بن محمَّد بن مالك الفزاريّ قال: حدَّثني معاوية بن حكيم ومحمَّد ابن أيوب بن نوح ومحمَّد بن عثمان العمريّ (رضي الله عنه) قالوا: «عرض علينا أبو محمَّد الحسن بن علي (عليهما السلام) ونحن في منزله وكنا أربعين رجلاً، فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا، قالوا: فخرجنا من عنده فما مضت إلَّا أيامٌ قلائل حتَّى مضي أبو محمَّد (عليه السلام)» [كمال الدين وتمام النعمة ص435].
6ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) عن علي بن عبد الله الورَّاق قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعريّ قال: «دخلتُ على أبي محمَّد الحسن بن علي (عليهما السلام) وأنا أريد أنْ أسأله عن الخلف من بعده، فقال لي مبتدئاً: يا أحمد بن إسحاق، إنَّ الله (تبارك وتعالى) لم يخل الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) ولا يخليها إلى أنْ تقوم الساعة من حُجَّة لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الأرض. قال: فقلت له: يا بن رسول الله، فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مسرعاً فدخل البيت، ثمَّ خرج وعلى عاتقه غلامٌ كأنَّ وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء الثلاث سنين، فقال: يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله (عزَّ وجلَّ) وعلى حُججه ما عرضتُ عليك ابني هذا، إنه سمِّي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وكنيه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً» [كمال الدين وتمام النعمة ص٤١٢].
7ـ وروى الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه) عن جعفر بن محمَّد بن مالك قال: حدَّثني محمَّد بن جعفر بن عبد الله، عن أبي نعيم محمَّد بن أحمد الأنصاري قال: «وجَّه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن إبراهيم المدنيّ إلى أبي محمَّد (عليه السلام)، قال كامل: فقلتُ في نفسي: أسأله لا يدخل الجنَّة إلَّا من عرف معرفتي وقال بمقالتي ... إلى قوله: فجاءت الريح فكشفتْ طرفه فإذا أنا بفتى كأنَّه فلقة قمرٍ من أبناء أربع سنين أو مثلها. فقال لي: يا كامل بن إبراهيم، فاقشعررتُ من ذلك وألهمتُ أنْ قلت: لبيك يا سيدي، فقال: جئت إلى وليّ الله وحجته وبابه تسأله هل يدخل الجنّة إلَّا من عرف معرفتك وقال بمقالتك؟ فقلت: إي والله، قال: إذن والله يقلُّ داخلها، والله إنّه ليدخلها قوم يقال لهم الحقيَّة، قلت: يا سيدي ... إلى قوله: فنظر إلي أبو محمَّد (عليه السلام) متبسماً فقال: يا كامل، ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك الحجَّة من بعدي؟ فقمتُ وخرجتُ ولم أعاينه بعد ذلك» [الغيبة ص246].
8ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) عن أحمد بن علي الرازي، عن محمَّد بن علي، عن عبد الله بن محمَّد بن خاقان الدهقان، عن أبي سليمان داد بن غسَّان البحراني قال: قرأتُ على أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي قال: «مولد محمَّد بن الحسن ... إلى قوله: وقال لعقيد: ادخل البيت فإنك ترى صبياً ساجداً فأتني به. قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلتُ أتحرَّى فإذا أنا بصبيٍّ ساجدٍ رافعٍ سبابته نحو السماء ... إلى قوله: قال أبو سهل: فلما مثل الصبي بين يديه سلَّم وإذا هو درِّي اللون، وفي شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان ... إلى قوله: فقال له أبو محمَّد (عليه السلام): ابشر يا بني، فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيي» [الغيبة ص٢٧١]. إلى غير ذلك من الروايات الدالَّة على هذا المعنى.
والنتيجة النهائيّة من جميع ذلك، أنَّ كثرة الرواة في كلِّ طبقةٍ من الروايات الواردة فيمن رأى صاحب الزمان (عليه السلام) في زمن أبيه (عليه السلام) قد بلغت حدَّاً يفوق الاستفاضة، كما تبيَّن ذلك بوضوح.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق