هل صحح زيد بن علي حكم أبي بكر في فدك؟

السؤال: قال بعضهم: إنَّ زيد بن علي يرى أنَّ قضاء أبي بكر في فدكٍ صحيح، ولو كان مكان أبي بكر لفعل مثل فعل أبي بكر! قال ابن أبي الحديد: (قال زيد: لو رجع الأمر إليَّ لقضيتُ فيه بقضاء أبي بكر)، وقضاء أبي بكر في فدكٍ صحيحٌ وليس فيه ظلمٌ لفاطمة ولا غيرها، وهذا ما حكم به كبار علماء الزيديَّة؛ قال أحمد بن يحيى المرتضى: (وقضاء أبي بكر في فدكٍ صحيح، خلافاً للإماميَّة، وبعض الزيديَّة المعتزلة؛ لأنَّه لو كان باطلاً لنقضه علي، ولو كان ظلماً لأنكره بنو هاشم والمسلمون)؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الملاحَظُ في هذا السؤال أنَّهُ يشتمل على عدَّة دعاوى، منها أنَّ حُكم أبي بكرٍ في فدكٍ كان صحيحاً وشرعياً، وأنَّ زيد بن عليٍّ قد قبلَ بحُكمهِ ذلك، وأنَّهُ لو كان باطلاً لردَّهُ أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام) وكذلك بنو هاشم؛ ولأجلِ ذلك يقع الكلام في أمورٍ ثلاثة، ومنه تعالى نستمدُّ العون والتوفيق.

الأمر الأوَّل: لا يخفى أنَّ الأرض المسمَّاة بفدك كانت ملكاً للصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) قد أعطاها لها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حياته؛ ولذلك فهي صاحبة اليد الشرعيَّة عليها وليس أبو بكر، وبعد أنْ استشهد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أُخِذت منها بالقهر والغلبة من قبل أبي بكر وأنصاره؛ ولذلك جاءت (عليها السلام) تطالبه فيها كنِحْلةٍ من أبيها، وبعد أنْ رُدَّت طالبت بها كإرث تماشياً مع القوم.

فقد روى ابن سعد وأحمد بن حنبل والبخاري بسندٍ صحيح عن عروة، عن عائشة ـ واللفظ للأوَّل ـ قالت: (إنَّ فاطمة بنت رسول الله أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله، (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) فيما أفاء الله على رسوله، وفاطمة حينئذٍ تطلب صدقة النبيّ التي بالمدينة وفدك وما بقى من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إنَّ رسول الله قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمَّد في هذا المال، وإنّي والله لا أغير شيئاً من صدقات رسول الله عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) ولأعملنَّ فيها بما عمل فيها رسول الله، فأبى أبو بكر أنْ يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدتْ فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر فهجرته فلم تكلِّمه حتَّى توفِّيت، وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر) [الطبقات الكبرى ج2 ص273، مُسند أحمد بن حنبل ج1 ص188، صحيح البخاريّ ج3 ص1360]، وغيرها.

فإن الملاحَظ في هذا الحديث أنَّ الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله فدكاً من أبيها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلَّا أنَّ أبا بكر رفض أنْ يدفعها إليها بحُجَّة أنَّ النبيّ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة»! والحال أنه حديثٌ مناقضٌ لصريح القرآن الكريم الذي يقول: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16]، وكذلك لقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: 6]. الظاهر في إرث الأموال أيضاً، بل ومناقضٌ لقانون الإرث في الإسلام بشكلٍ عام.

ولذلك ورد احتجاج الزهراء (عليها السلام) على أبي بكر بهذه الآيات الكريمة في خطبتها المعروفة [يُنظر: تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص127، بلاغات النساء لابن طيفور ص12، التذكرة الحمدونيَّة ج6 ص255]، وغيرها.

ولو قيل بوجود رواياتٍ عند الفريقين تدلُّ على أنَّ الأنبياء ورَّثوا العلم فقط دون المال، فيكون ما ورثته الزهراء (عليها السلام) هو العلم دون المال؟ فيردُّه: أنَّ الحديث ناظرٌ إلى الفرد الأشرف من الإرث، وهو العلم و‘نّه هو الإرث الحقيقيُّ، ولا ينفي عدم توريثهم بعض المال، كما نبَّه عليه السيد الخوئي (طاب ثراه) [يُنظر: مصباح الفقاهة ج3 ص288]، ولو سلَّمنا بأنَّ الأنبياء (عليهم السلام) لم يورِّثوا إلَّا العلم فقط وأنَّ الزهراء (عليها السلام) هي وريثة علم النبيّ الأعظم خاصَّة، فكيف خفي عليها الحديث المزعوم من قبل أبي بكر؟! فهل خُصَّ أبي بكر بهذا الحديث دونها وهي الوريثة الوحيدة لعلم النبيّ الأعظم؟! إنَّ مطالبتها هذه تدلُّ على كذب الحديث المشار إليه كما هو واضح.

وللمزيد عن هذا الموضوع يُمكن ملاحظة ما كُتب تحت عنوان (الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً)، فراجع واغتنم.

الأمر الثاني: إنَّ ما قيل في رضا زيد بن علي بحكم أبي بكر لم يروَ من طرق الشيعة وإنما جاء من طرق العامَّة بسندٍ غير نقيٍّ تفرَّد به ابن شبَّه في كتابه [تاريخ المدينة ج1 ص199]، وعنه [شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص٢١٩، الصواعق المحرقة لابن حجر ص38]، وغيرها من مصادر أهل العامَّة.

مضافاً إلى أنه مخالفٌ لقواعد القضاء من أنَّ (البينة على المدَّعي واليمين على من أنكر) وقد كانت فدك في يد الزهراء (عليها السلام) وأنَّ أبا بكر هو المدَّعي، مع أنه مخالفٌ لموقف زيد بن علي (عليه السلام) من أبي بكر [يُنظر: تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبيّ ص251].

ومع التنزُّل يُمكن أنْ يكون ذلك تقيةً منه؛ لدفع الخطر عنه أو عمَّن يهمه أمره، ولو أعرضنا عن جميع ذلك وقلنا برضاه بحكم أبي بكر فهو ليس من أهل العصمة الواجب اتباعهم، كما هو واضحٌ وبيِّن.

والمتحصَّل من هذا كلِّه أنَّه لم يثبت رضا زيد بن علي (عليه السلام) بحكم أبي بكر عندنا، ولو سلَّمنا وتنازلنا عن كلِّ ذلك فهو غير ملزمٍ لنا، لعدم وجوب طاعته ـ زيد الشهيد ـ عندنا.

وأمَّا قول أحمد بن يحيى المرتضى الزيديّ فهو مخالف لجمهور علمائهم، ومنه يُعرف تفرُّده في هذا المجال.

الأمر الثالث: إنَّ ما قيل: إنَّه لو كان باطلاً لنقضه علي (عليه السلام) أو بنو هاشم ـ غير تامٍّ وصحيح؛ وذلك لمخالفته لما روي عندنا وعند العامَّة من موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) حيال هذه المسألة.

1ـ فقد روى علي بن إبراهيم القمِّيّ (طاب ثراه) بسندٍ صحيحٍ عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيه: (... فلما كان بعد هذا جاء عليٌّ (عليه السلام) إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار، فقال: يا أبا بكر، لم منعت فاطمة ميراثها من رسول الله؟ وقد ملكته في حياة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ فقال أبو بكر: هذا فيء المسلمين، فإنْ أقامت شهوداً أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) جعله لها وإلَّا فلا حق لها فيه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أبا بكر، تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين؟ قال: لا. قال: فإنْ كان في يد المسلمين شيءٌ يملكونه ادَّعيتُ أنا فيه، مَنْ تسأل البينة؟ قال: إياك كنتُ أسأل البينة على ما تدَّعيه على المسلمين. قال: فإذا كان في يدي شيءٌ وادَّعى فيه المسلمون فتسألني البينة على ما في يدي وقد ملكته في حياة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وبعده، ولم تسأل المسلمين البينة على ما ادَّعوا عليَّ شهوداً كما سألتني على ما ادعيت عليهم؟! فسكت أبو بكر، ثمَّ قال عمر: يا عليُّ، دعنا من كلامك فإنَّا لا نقوى على حُججك ... الحديث) [تفسير القمِّي ج3 ص156].

2ـ وروى البخاريُّ ومُسلم بن الحجاج بسندٍ صحيح ـ واللفظ للثاني ـ وفيه قوله: (فلمَّا توفي رسول الله قال أبو بكر: أنا وليُّ رسول الله فجئتما [أي: علي والعبَّاس]، تطلبُ ميراثك من ابن أخيك، ويطلبُ هذا ميراث امرأته من أبيها ... إلى قوله: ثمَّ توفي أبو بكر وأنا ولي رسول الله، وولي أبي بكر ... إلى قوله: ثمَّ جئتني أنت وهذا وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتما: ادفعها إلينا ... الحديث) [يُنظر: صحيح مُسلم ج5 ص152، وصحيح البخاري ج4 ص1481].

والنتيجة النهائية من كلِّ ما تقدَّم، هي بطلان ما قيل من رضا زيد بن علي بحكم أبي بكر وعدم إنكاره من قبل أمير المؤمنين (عليه السلام)، لما أوضحناه تفصيلاً .. والحمد لله ربِّ العالمين.