هل الأنبياء (ع) أفضل من الأئمة (ع) في عقيدة زيد بن علي؟
السؤال: روى الكلينيُّ عن أبانٍ قال: «أخبرني الأحولُ أنَّ زيد بن عليِّ بن الحسين (ع) بعث إليه وهو مستخفٍ قال: فأتيته... ثم قلت له: جعلت فداك أنتم أفضل أم الأنبياء؟ قال: بل الأنبياء قلت: يقول يعقوب ليوسف: يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً، لِمَ لَمْ يخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه...»؟ لفت نظري في حوار زيد بن عليٍّ (رض) مع أبي جعفرٍ الأحول الشهير، سؤال الأحول لزيد: أنتم أفضل أم الأنبياء؟ وإجابة زيد له: إنَّ الأنبياء أفضل. وهذا يخالف ما عليه الطائفة الحقة المحقة سلفاً وخلفاً. ويلاحظ عدم اعتراض الأحول على زيد في ذلك؟
الجواب:
إنَّ الرواية التي ذكرها السائل عبارةٌ عن حوارٍ بين زيد بن عليِّ بن الحسين (عليهما السلام) وبين مؤمن الطاق المعروف بـ الأحول، ولم تكن بين زيدٍ وبين إمامٍ معصومٍ من آل محمد، فلا يصحّ أنَّ تُجعل مصدراً لإثبات عقيدةٍ أو نفيها.
ثمَّ إنَّ السياق الذي وردت فيه الرواية يوضّح بجلاءٍ أنَّ سؤال الأحول لزيدٍ بقوله: «أنتم أفضل أم الأنبياء؟» لم يكن يقصد به المقارنة بين الأئمة المعصومين (عليهم السلام) والأنبياء، وإنَّما بين أولاد الأئمة الذين ليسوا بمعصومين وبين الأنبياء، فهو يسأل زيداً عن نفسه وعن أمثاله من أبناء الأئمة، لا عن مقام الإمامة ذاته؛ ولذلك كان جواب زيد: «بل الأنبياء» مقصوراً على هذا المعنى، أي أنَّ الأنبياء أفضل من غير المعصومين من ذرية الأئمة، فيكون معنى كلامه أنَّ الأنبياء أفضل منّي أنا زيد، لا أنَّهم أفضل من آبائي الأئمة المعصومين، وبهذا يتَّضح أنْ لا تناقض بين هذه الرواية وبين عقيدة الطائفة الحقة في تفضيل الأئمة (عليهم السلام)، والذي يؤكد هذا المعنى: هو تأمل الرواية كاملةً وما جاء فيها من وجهات نظرٍ مختلفةٍ بين مؤمن الطاق وبين زيد بن عليٍّ وهي كالتالي:
"عن أبانٍ قال: أخبرني الأحول أنَّ زيد بن عليِّ بن الحسين (عليهما السلام) بعث إليه وهو مستخفٍ قال: فأتيته فقال لي: يا أبا جعفرٍ ما تقول إنَّ طرقك طارقٌ منا أتخرج معه؟ قال: فقلت له: إنَّ كان أباك أو أخاك خرجتُ معه.
قال: فقال لي: فأنا أريد أنَّ أخرج أجاهد هؤلاء القوم فأخرج معي. قال: قلت: لا ما أفعل جعلت فداك! قال: فقال لي: أترغب بنفسك عني؟ قال: قلت له: إنَّما هي نفسٌ واحدةٌ فإنْ كان لله في الأرض حجةٌ فالمتخلف عنك ناجٍ والخارج معك هالكٌ، وإنْ لا تكن لله حجة في الأرض فالمتخلف عنك والخارج معك سواءٌ!
قال: فقال لي: يا أبا جعفرٍ كنت أجلس مع أبي على الخوان فيلقمني البضعة السمينة، ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد، شفقةً عليَّ، ولم يشفق عليَّ من حر النار، إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به؟!
فقلت له: جعلت فداك! شفقته عليك من حرِّ النار لم يخبرك، خاف عليك: أن لا تقبله فتدخل النار، وأخبرني أنا، فإنْ قبلتُ نجوت، وإنْ لم أقبل لم يبالِ أنَّ أدخل النار. ثم قلت له: جعلت فداك! أنتم أفضل أم الأنبياء؟ قال: بل الأنبياء. قلت: يقول يعقوب ليوسف: يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً، لِمَ لَم يخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه، ولكن كتمهم ذلك، فكذا أبوك كتمك لأنَّه خاف عليك.
قال: فقال: أما والله لئن قلتَ ذلك لقد حدّثني صاحبك بالمدينة أنّي أُقتل وأُصلب بالكناسة، وأنَّ عنده لصحيفةً فيها قتلي وصلبي. فحججت فحدثت أبا عبد الله (عليه السلام) بمقالة زيد وما قلت له، فقال لي: أخذتَه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه، ولم تترك له مسلكاً يسلكه". [الكافي ج1 ص174].
ومن تأمَّل هذا النصّ يدرك أنَّ سؤال الأحول وجواب زيد لا يتناولان الأنبياء في مقابل الأئمة المعصومين، بل هو كلامٌ في دائرةٍ أدنى، يتعلّق بشخص زيدٍ وموقعه لا بمقام الإمامة، والدليل على ذلك أنَّ الأحول نفسه قد فرّق بوضوحٍ بين الإمام المعصوم وبين سائر أبناء الأئمة، حين قال لزيد: «إنْ كان لله في الأرض حجةٌ فالمتخلف عنك ناجٍ، والخارج معك هالكٌ، وإنْ لا تكن لله حجةٌ في الأرض فالمتخلف عنك والخارج معك سواءٌ»، وهي عبارةٌ قاطعةٌ في أنَّ الحجة الإلهيَّةَ وحدها هي معيار الطاعة والنجاة، وأنَّ زيداً ليس في موضع الحجة المعصومة؛ ومن هذا الفهم جاءت صيغة سؤاله: «أنتم أفضل أم الأنبياء؟» أي أنتم ـ أبناء الأئمة من غير المعصومين ـ لا الأئمة أنفسهم. ومن هنا كان جواب زيد «بل الأنبياء» منسجماً مع هذا المعنى تماماً، فلا تعارض بينه وبين ما عليه عقيدة الإماميَّةِ من تفضيل الأئمة (عليهم السلام) على سائر الأنبياء، وقد أيّد الإمام الصادق (عليه السلام) بعد ذلك موقف الأحول، وبيّن أنَّه وفّق في محاورته مع زيد، فأغلق أبواب الالتباس وأوضح حدود الموقف الشرعيِّ دون أنْ ينتقص من مقام زيد ونيّته الصادقة في نصرة الحق.
وأما عقيدة الإماميَّةِ الثابتة، فهي أنَّ الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) أفضل من جميع الأنبياء ما عدا خاتمهم ورسولهم الأعظم محمدٍ (صلى الله عليه وآله)، وهو ما تؤكّده الأدلة النقليَّةُ والعقليَّةُ معاً.
وفي المحصلة، هذه الرواية لا تمسّ عقيدة تفضيل الأئمة المعصومين، بل هي نصٌّ على واقعةٍ محددةٍ لا تتجاوز صاحبها، بينما المقام العقائديُّ للأئمة ثابتٌ بالكتاب والسنة والإجماع، وأنَّهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الخلق أجمعين.
اترك تعليق