هل النهي عن المقاربة في محاق الشهر مخالف للعلم؟
السؤال: روى الكلينيّ عن عدَّةٍ من أصحابنا، عن أحمد بن محمَّد بن خالد، عن بكر بن صالح، عن سليمان بن جعفر الجعفريّ، عن أبي الحسن قال: «من أتى أهله في محاق الشهر فليسلِّم لسقطِ الولد» والسند صحيح. فالمعصوم يستعمل التنجيم القمريّ ويخطأ علميّاً، إذْ أنَّ محاق الشهر مليءٌ بالمواليد، ومن له خبرةٌ يعرف ذلك، وهنا المعصوم يجزم بسقط الولد في محاق الشهر، وهذا غلطٌ علميٌّ واضح؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لا بأس بتوضيحٍ مبسَّطٍ لمضمون الحديث المذكور، حيث يُفهم منه كراهةُ الجماعِ في فترةِ محاق الشهر ـ وهي الأيّام الأخيرة منه ـ ويُعلَّل ذلك باحتمالِ حدوثِ السقطِ إنْ حصل التعلُّق (الحمل) في تلك الفترة.
ثمَّ لابدَّ من التنويه إلى شيءٍ مهمٍّ، وهو أنَّ الحديث المشار إليه مختلفٌ في صحَّته، وليس كما ذكر السائل من كونه صحيحاً بقولٍ مطلقٍ، إذْ حكم العلَّامةُ المجلسيُّ (طاب ثراه) بضعفه من جهةِ السند في شرحيه [يُنظر: مرآة العقول ج٢ ص٣٠٨ وملاذ الأخيار ج١٢ ص٣٥١].
ومع غضِّ النظر عن هذه المسألة نقول: إنَّ المراد من هذا الخبر ـ وما يجري مجراه ـ أنَّ الجماعَ في فترةِ المحاقِ من قبيلِ المُقتضي لسقوط الجنين في تلك الفترة، وليس من قبيلِ العلَّةِ التامَّة التي لا يُمكن أنْ تختلف أو تتخلَّف بوجهٍ من الوجوه. وعليه، يكون الخبر ناظراً إلى إمكانِ واحتمالِ تحقُّقِ السقوطِ في تلك الفترة.
وبناءً على هذا فلا يُعدُّ تخلُّفُ هذه الحالة عند البعض دليلاً على خطأ المعصوم (عليه السلام) كما ورد في السؤال، وذلك لأنَّ المذكور في الرواية مجرَّدُ مُقتضٍ لذلك، وليس علَّةً تامَّة لا تقبل التخلُّف، كما أوضحنا.
قال الشيخ محمَّد القائنيّ: (توضيحٌ للأخبارِ المتضمِّنةِ للآثارِ الوضعيَّةِ وحكمِ تخلُّفِ بعضها: هذا بابٌ يتَّضحُ به الكلامُ في جملةٍ من الأخبارِ الواردةِ في تأثيرِ بعضِ الأمورِ في بعضِ الأشياء، كتأثيرِ بعضِ الأفعالِ في طولِ العمرِ أو قصرِه أو وقوعِ بعضِ الحوادث، فإنَّه ربما يُشكل على الناسِ الأمرُ عند تخلُّفِ هذه الآثارِ عن تلك الأفعال.
والحلُّ: هو أنَّ التأثيرَ إنَّما هو بنحوِ المُقتضي أو بعضِه، فلا يُنافي التخلُّفَ أحياناً. مثلاً: ربَّ معصيةٍ توجب بلاءً للمكلَّف، إلَّا أنَّ المكلَّف ربما تصدَّق بعده أو عمل عملاً آخر أوجب عدمَ وقوعِ ذاك البلاءِ. ومن قبيله: ما ربما أخبر به بعضُ الأنبياءِ (عليهم السلام) من وقوعِ بعضِ الأمور أو العذابِ فيما يأتي مع تخلُّفِ ذلك عن أخبارهم لتوبةٍ أو غيرها كما في قومِ يونس (عليه السلام). ويؤكِّد ما ذكرنا: ما ورد في الجماعِ في محاقِ الشهر من تسليمه لسقطِ الولد، مع ما ورد من أنَّه إنْ قُضي له ولدٌ كان عشَّاراً أو كذا) [المبسوط في فقه المسائل المعاصرة ج١ ص٢٨٣].
هذا، وقد ورد في بعضِ الأخبارِ ما يُشير إلى هذا المعنى، ممَّا يُشكِّل قرينةً داعمةً لما ذُكر أعلاه، وهو ما رواه الشيخُ الصدوقُ (طاب ثراه) عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «لا تُجامِعْ في أوَّلِ الشهر، ولا في وسطِه، ولا في آخرِه، فإنَّه من فعل ذلك فليسلِّم لسقطِ الولد، فإنْ تمَّ أُوشك أنْ يكون مجنوناً، ألا ترى أنَّ المجنونَ أكثرُ ما يُصرَع في أوَّلِ الشهرِ ووسطِه وآخرِه» [من لا يحضره الفقيه ج٣ ص٤٠٣].
فإنَّ قولَه (عليه السلام): «أُوشك أنْ يكون مجنوناً» ظاهرٌ في العلَّةِ الناقصة التي أشرنا إليها قبل قليل.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ الخبرَ المذكور ناظرٌ إلى العلَّةِ الناقصة التي يُمكن أنْ تحصل في بعضِ الأحيان، وليس ناظراً إلى العلَّةِ التامَّة التي لا تقبل التخلُّف بوجهٍ من الوجوه، كما بيَّنَّا..
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
اترك تعليق