معنى «وكفى بالكتاب حجيجاً وخصيماً»
السؤال: ما معنى قول الإمام عليّ (عليه السلام) في النهج: «وكفى بالكتاب حجيجاً وخصيماً» إذِ الروايات تقول: إنَّ الأئمَّة حُجج الله، وقد يكونوا خصوماً لمن عادهم يوم القيامة، فهل هناك تنافٍ بين الأمرين؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أخي السائل أنَّه لا تعارض ولا تنافي بين حُجيّة الكتاب العزيز وحُجيّة أهل البيت (عليهم السلام)، ويُمكن توضيح ذلك من خلال بيانين اثنين:
البيان الأوَّل: لتوضيح ذلك ينبغي بيان المقصود من قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «وكفى بالكتاب حجيجاً وخصيماً»، وبيان معنى كون الأئمَّة (عليهم السلام) حجج الله يوم القيامة وخصوماً لمن خالفهم، وبعد فهم الأمرين يتَّضح هل هناك تعارضٌ بينهما أم لا؟ ولتحقيق ذلك يلزم البحث في نقطتين:
النقطة الأولى: ورد في خطبةٍ له (عليه السلام) تسمَّى الغرَّاء قوله: «كفى بالجنَّة ثواباً ونوالاً، وكفى بالنار عقاباً ووبالاً، وكفى بالله منتقماً ونصيراً، وكفى بالكتاب حجيجاً وخصيماً» [نهج البلاغة ج1 ص142].
والمراد من قوله (عليه السلام) هذا: هو أنَّ القرآن الكريم يحاجُّ من ضيَّعه في دار الدنيا، ويكون خصيماً له عند الله تعالى، كما قال الإمام الحسن (عليه السلام): «إنَّ هذا القرآن يجيء يوم القيامة قائداً وسائقاً، يقود قوماً إلى الجنَّة، أحلُّوا حلاله، وحرَّموا حرامه، وآمنوا بمتشابهه. ويسوق قوماً إلى النار، ضيَّعوا حدوده وأحكامه، واستحلُّوا محارمه» [إرشاد القلوب ج1 ص79].
قال العلَّامة حبيب الله الخوئيّ: (أي كفى كتاب الله محاجَّاً ومخاصماً، وهو إشارةٌ إلى وجوب تعليم القرآن وتعلَّمه، وإكرامه، وحرمة إضاعته وإهانته ... إلى قوله: المستفاد من الأخبار أنَّه يؤتى به يوم القيامة في صورة إنسانٍ فيكون بنفسه حجيجاً خصيماً. فقد روى في الوسائل عن محمَّد بن يعقوب الكلينيّ معنعناً عن سعدٍ الخفاف عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) أنَّه قال:« يا سعد، تعلَّموا القرآن، فإنَّ القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورةٍ نظر إليها الخلق ... إلى أنْ قال: حتَّى ينتهي إلى ربِّ العزَّة فيناديه (تبارك وتعالى): يا حجَّتي في الأرض وكلامي الصادق الناطق، ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفَّع، كيف رأيت عبادي؟ فيقول: يا ربِّ، منهم من صانني وحافظ عليَّ، ومنهم من ضيَّعني واستخفَّ بي وكذب بي، وأنا حجُّتك على جميع خلقك. فيقول الله (عزَّ وجلَّ): وعزَّتي وجلالي وارتفاع مكاني لأُثيبنَّ اليوم عليك أحسن الثواب، ولأعاقبنَّ عليك اليوم أليم العقاب الحديث. وبإسناده عن جابرٍ عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) قال: يجيء القرآن يوم القيامة في أحسن منظورٍ إليه صورةً ... إلى أنْ قال: حتَّى ينتهي إلى ربِّ العزَّة فيقول: يا ربِّ، فلان بن فلانٍ أظمأت هواجره وأسهرت ليله في دار الدنيا. وفلان بن فلانٍ لم أظمئ هواجره ولم أسهر ليله، فيقول (تبارك وتعالى): أدخلهم الجنة على منازلهم، فيقوم فيتبعونه فيقول للمؤمن: اقرأ وارقه، قال (عليه السلام): فيقرأ ويرقا حتَّى بلغ كلَّ رجلٍ منهم منزلته التي هي له فينزلها». والأخبار في هذا المعنى كثيرةٌ) [منهاج البراعة ج6 ص8].
النقطة الثانية: ورد في الكثير من الأخبار الشريفة أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) حُجج الله تعالى على الخلق كافَّةً، وكذلك هم يخاصمون ويحتجُّون على من غصب حقَّهم وأزالهم عن مراتبهم التي رتَّبهم الله تعالى فيها، فتكون خصومتهم آنذاك في إثبات الحق ودحض الباطل.
روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وفيه: «إنّي لأوَّل ـ أو من أوَّل ـ من يجثو للخصومة يوم القيامة بين يدي الله (تبارك وتعالى)» [تفسير الطبريّ ج18 ص588، المسترشد للطبريّ ص265]. وفي نقل أبي عروبة الحرَّانيّ: «أنا أوَّل من يجثو للخصومة بين يدي الله (عزَّ وجلَّ)» [الأوائل ص115]، وغيرها من المصادر.
وروى الشيخ الصدوق بسنده عن النضر بن مالكٍ قال: «قلت للحسين بن علي بن أبي طالبٍ (عليهما السلام): يا أبا عبد الله، حدِّثني عن قول الله (عزَّ وجلَّ):﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾[الحج: 19]، قال: نحن وبنو أمية اختصمنا في الله (عزَّ وجلَّ) قلنا: صدق الله، وقالوا: كذب الله. فنحن وإياهم الخصمان يوم القيامة» [الخصال ص43].
ومن خلال هذا يتَّضح أنَّه لا منافاة بين الأمرين، بل كلٌّ منهما في سياقه الصحيح، فإنَّ القرآن سيحاجّ العباد يوم القيامة، فيشهد لمن عمل به، ويدين من خالفه.
كما أنَّ أهل البيت سوف يحتج الله بهم على الناس؛ لأنَّهم المبيِّنون لدينه، والمفسِّرون لكتابه، والدالُّون على شرعه، وهم أيضاً خصماء من خالفهم وظلمهم أو جحد ولايتهم.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ الخصومة في يوم القيامة متعدِّدة الجهات، فالقرآن يخاصم من هجره وأعرض عنه وترك العمل به، وأمَّا أهل البيت فسوف يخاصمون ويحاججون من عاداهم، إذْ لا مانع من أنْ تجتمع الخصومة في جهاتٍ متعدّدةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منها تُظهر جانباً من جوانب الحق.
البيان الثاني: الملاحِظ لآيات الله الكريم يجدها على نحوين، منها ما هو محكمٌ وواضحٌ بحيث يفهمه كلُّ عارفٍ باللغة واللسان، وبذلك يكون حُجّةً عليهم وخصيماً لهم يوم القيامة؛ ولذا نرى المشركين آنذاك يمنعون أصحابهم من الاستماع إلى القرآن الكريم حتَّى لا يتأثروا به ويدخلوا في الإسلام، بل كانوا يأمرون أصحابهم باللَّغو في القرآن، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصِّلت: 26]. وأُخرى تكون آياته مجملةً ومتشابهةً تحتاج في بيانها إلى معلِّمٍ وشارحٍ من جهة السماء، وهو النبيُّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) أو المعصومون (عليهم السلام).
وبناءً عليه، فلا تنافي بين حُجيّة القرآن على من تدبّر آياته المحكمة والواضحة وعرف المراد بها بمجرّد أنْ يُصغي لها ويستمع إليها، وبين حُجيّة أهل البيت (عليهم السلام) من جهة بيانهم لآياته المتشابهة وغير الواضحة؛ ولذلك تتعدد جهة الحجية، ويكون كلُّ واحدٍ منهم حُجّةً وخصيماً من جهته الخاصَّة، كما هو واضحٌ.
والنتيجة النهائيّة من كلِّ ما سبق، هي عدم التنافي بين حُجيّة القرآن ومخاصمته لمن أعرض ونأى عنه، وبين كون أهل البيت (عليهم السلام) حُججاً لله وخصوماً لأعدائهم، كما صار واضحاً.
والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق