هل عبادة الأصنام جائزة؟

السؤال: ما هو رأي الشريعة الحقَّة والطائفة المحقَّة بالقول القائل: إنَّ الإشكال في عابد الصنم لیس في عبادته الأصنام، وإنَّمَا الإشكال في حصره لله تعالى في الأصنام فحسب؛ لأنَّ عبادة الأوثان ليست شركاً، بل انحصار الله تعالى في الأصنام هو الشرك؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

الملاحَظ أنَّ هذا المضمون المذكور في السؤال يرجع إلى بعض أذواق أهل العرفان الصوفيّ، أمثال ما قاله محيي الدين بن عربي الأندلسيُّ في بعض كتبه من أنَّ العِجْل الذي عبده بنو إسرائيل هو عين الإله الذي تجب عباده! وأنَّ فرعون هو عين الحق تعالى! (نعوذ بالله تعالى)! وعليه، يجوز عبادة هؤلاء؛ لأنَّ عبادتهم عين عبادة الله تعالى! بناءً على نظرية وحدة الوجود والموجود الزاعمة بأنَّ كلَّ الموجودات هي عين الوجود، وإنما الاختلاف في الحدود والصور فقط، وعين الكلام جارٍ في الأصنام.

قال محيي الدين بن عربي في عبادة العِجْل: (فخشي هارون أنْ ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه، فكان موسى أعلم بالأمر من هارون؛ لأنه علم ما عبده أصحاب العِجْل، لعلمه بأنَّ الله قد قضى ألَّا يُعْبَد إلَّا إياه، وما حكم الله بشيءٍ إلَّا وقع، فكان عتب موسى أخاه هارون لِما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه، فإنَّ العارف من يرى الحق في كلِّ شيءٍ، بل يراه كلَّ شيءٍ ... إلى قوله: وليس للصور بقاء، فلابدَّ من ذهاب صورة العِجْل لو لم يستعجل موسى بحرقه، فغلبت عليه الغيرة فحرقه ثمَّ نسف رماد تلك الصورة في اليمِّ نسفاً. وقال له: ﴿انْظُرْ إِلى إِلهِكَ﴾ فسمَّاه إلهاً بطريق التنبيه للتعليم، لما علم أنَّه بعض المجالي الإلهيَّة) [فصوص الحكم ج1 ص192].

وقال أيضاً في شأن فرعون: (ولما علمت السحرة صدقه في مقاله لم ينكروه، وأقرُّوا له بذلك فقالوا له: إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقضِ ما أنت قاض، فالدولة لك. فصحَّ قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى﴾. وإنْ كان عين الحق، فالصورة لفرعون؛ فقطع الأيدي والأرجل، وصلب بعينِ حقٍ في صورة باطل؛ لنيل مراتب لا تنال إلَّا بذلك الفعل) [فصوص الحكم ج1 ص٢١٠]. إلى غير ذلك من الكلمات الصريحة في نظرية وحدة الوجود والموجود الباطلة في الشرع المبين.

إذا تبيَّن هذا واتضح فنقول:

إنَّ هذا الكلام المذكور من أوضح القضايا الباطلة والمخالفة لمبادئ الدين الحنيف؛ لأنَّ عبادة الأصنام من دون الله تعالى كفرٌ صريح، كما أنَّ عبادة الأصنام مع الله تعالى شركٌ واضح، وهذا من الضرورات الإسلاميَّة التي لا تخفى إلَّا على من أصمَّ الله أذنيه، وأعمى بصره وبصيرته، وهو واضح.

فممَّا جاء في ذمِّ عبادة الأصنام من دون الله تعالى قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ الله أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: 25]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ الله لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: 3]، وقوله تقدَّست أسماؤه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: 18]. وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ الله مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106]. إلى غيرها من الآيات المباركة.

وممَّا جاء في ذمِّ عبادة الأصنام قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 74]، وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيَّاً إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم: 41 ـ 42]، وقال جلَّت أسماؤه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 138ـ 139]. إلى غيرها من الآيات المباركة الذامَّة للأصنام وعبادتها.

وعليه، فكيف يُقال بأنَّ عبادة الأصنام لا إشكال فيها؟!

وبالجملة: إنَّ الإسلام يرفض عبادة الأصنام رفضاً قاطعاً؛ لأنها تمثِّل انحرافاً صريحاً عن التوحيد الخالص الذي بُني عليه الدين. كما أنه يذمُّ جعل هذه الأصنام شريكةً مع الله تعالى، إذْ إنَّ الشرك انتقاصٌ لحقِّ الله في العبادة، وخرقٌ لصفاء العقيدة، فالخالق وحده هو المستحق للعبادة والسجود والدعاء وغيرها، ولا يليق بمخلوقٍ جامدٍ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرَّاً أنْ يُتخذ ندَّاً لله سبحانه.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ما سبق، أنَّ هذا الكلام الذي ورد في السؤال من المحرَّمات البيّنة في دين الإسلام كما صار واضحاً .. والحمد لله ربِّ العالمين.