أحوال الأئمة (ع) في زمن الطفولة

السؤال: ما هو حال الإمام المعصوم (عليه السلام) في مراحل طفولته، مثل السنة أو السنتين؟ هل يمتلك كمال العقل والعصمة في هذه المرحلة؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف نتعامل مع الحديث الذي يروى بأنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) ركب على ظهر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أثناء سجوده في الصلاة، وأنَّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) كان يطيل السجود خوفاً من أنْ يسقط على الأرض؟ هل يتناسب هذا الفعل مع كمال العقل والعصمة؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الملاحَظ في كلام الأخ السائل أنه يرجع إلى شقَّين اثنين، الأوَّل منها في عصمة الأئمَّة (عليهم السلام) في زمن الطفولة والصبا، والآخر في خبر ركوب الإمام (عليه السلام) على ظهر النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) في الصلاة، ولبيان الحال في ذلك نعقد الكلام في أمرين:

الأمر الأوَّل: يعتقد أتباع أهل البيت (أعلى الله شأنهم) أنَّ الأئمَّة ـ كالأنبياء ـ معصومون عصمةً مطلقة من لحظة الولادة إلى وقت الشهادة، وقد صرَّحت بذلك كلمات علمائهم في كتب الكلام والعقيدة. منها: ما قاله الشيخ الصدوق (طاب ثراه): (اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمَّة والملائكة (صلوات الله عليهم) أنهم معصومون مطهَّرون من كلِّ دنس، وأنَّهم لا يذنبون ذنباً، لا صغيراً ولا كبيراً، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ومن نفى عنهم العصمة في شيءٍ من أحوالهم فقد جهلهم. واعتقادنا فيهم أنَّهم موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم إلى أواخرها) [الاعتقادات ص96].

ومثله ما قاله العلَّامة الحلِّيُّ والشيخ محمَّد رضا المظفَّر (طاب ثراهما) [يُنظر: منهاج الكرامة ص37، عقائد الإماميَّة ص67]، وغيرهما من كلمات الأعلام. وقد ذكرنا جملةً من الأدلَّة على العصمة في جوابٍ مستقلٍ تحت عنوان (الأدلَّة على عصمة الأئمَّة الاثني عشر) فراجع إنْ شئت ذلك.

بل ورد في جملةٍ من الروايات التصريح بأنَّ المعصوم (عليه السلام) لا يلهو ولا يسهو ولا يلعب منذ ولادته وحتَّى شهادته، منها:

1ـ روى شيخنا الصفَّار (طاب ثراه) بسنده إلى عمار بن مروان عن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إنَّ الله خلق الأنبياء والأئمَّة على خمسة أرواح: روح القوَّة، وروح الإيمان، وروح الحياة، وروح الشهوة، وروح القدس. فروح القدس من الله، وساير هذه الأرواح يصيبها الحدثان، فروح القدس لا يلهو ولا يتغير ولا يلعب، وبروح القدس علِمُوا - يا جابر - ما دون العرش إلى ما تحت الثرى» [بصائر الدرجات ص473].

2ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) بسنده إلى المفضَّل بن عمر قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض، وهو في بيته مرخى عليه ستره؟ فقال: يا مفضَّل، إنَّ الله (تبارك وتعالى) جعل للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) خمسة أرواح: روح الحياة فيه دبَّ ودرج، وروح القوَّة فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الإيمان فبه أمر وعدل، وروح القدس فبه حمل النبوَّة. فإذا قُبض النبيُّ انتقل روح القدس فصار في الإمام؛ وروح القدس لا ينام، ولا يغفل، ولا يلهو، ولا يسهو. والأربعة الأرواح تنام وتلهو وتغفل وتسهو. وروح القدس ثابتٌ يرى به ما في شرق الأرض وغربها وبرها وبحرها. قلت: جعلت فداك، يتناول الإمام ما ببغداد بيده؟ قال: نعم وما دون العرش» [بصائر الدرجات ص473]. وغيرها من الأخبار في هذا الشأن.

الأمر الثاني: ورد في جملةٍ من الروايات أنَّ الإمام (عليه السلام) ركب على ظهر النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) في حال الصلاة فأطال من أجله الصلاة، نذكر بعضاً منها، ثمَّ نُعلِّق عليها بما يناسب المقام إنْ شاء الله تعالى.

1ـ روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن محمَّد بن حرب الهلاليّ ـ أمير المدينة ـ عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، وفيه قوله: «وإنَّه (صلَّى الله عليه وآله) كان يصلِّي بأصحابه فأطال سجدةً من سجداته، فلما سلَّم قيل له: يا رسول الله، لقد أطلت هذه السجدة؟ فقال (صلَّى الله عليه وآله): إنَّ ابني ارتحلني فكرهتُ أنْ أعاجله حتَّى ينزل، وإنما أراد بذلك (صلَّى الله عليه وآله) رفعهم وتشريفهم» [علل الشرائع ج1 ص173، معاني الأخبار ص351].

2ـ وروى (طاب ثراه) ـ أيضاً ـ بسنده عن عمرو ابن أبي المقدام وزياد بن عبد الله عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، وفيه: «وأمَّا الحسن ابني فقد تعلمان ويعلم أهل المدينة أنَّه يتخطَّى الصفوف حتَّى يأتي النبي (صلَّى الله عليه وآله) وهو ساجد فيركب ظهره فيقوم النبي (صلَّى الله عليه وآله) ويده على ظهر الحسن والأُخرى على ركبته حتَّى يتم الصلاة، قالا: نعم قد علمنا ذلك، ثمَّ قال: تعلمان ويعلم أهل المدينة أنَّ الحسن كان يسعى إلى النبيّ، ويركب على رقبته، ويدلي الحسن رجليه على صدر النبي (صلَّى الله عليه وآله) حتَّى يرى بريق خلخاليه من أقصى المسجد، والنبيُّ يخطب ولا يزال على رقبته حتَّى يفرغ النبي من خطبته والحسن على رقبته» [علل الشرائع ج1 ص١٨٥].

3ـ وروى الشريف الرضيُّ (طاب ثراه) مرسلاً عن شداد بن الهاد قال: «سجد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) سجدةً أطال فيها، فقال الناس عند انقضاء الصلاة: يا رسول الله، إنَّك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدةً أطلتها حتَّى ظنَّنا أنَّه قد حدث أمر، أو أنه أتاك وحيٌّ، فقال (عليه الصلاة والسلام): كلُّ ذلك لم يكن، ولكنْ ابني هذا ارتحلني فكرهتُ أنْ أعجله حتَّى يقضى حاجته، وكان الحسن أو الحسين (عليهما السلام) قد جاء النبي (عليه الصلاة والسلام) في سجدته فامتطي ظهره» [المجازات النبويَّة ص397].

موقف الأعلام: هذا، وقد تباين موقف العلماء تجاه هذه الروايات، ففريقٌ قبِلها بعد تأويلها بوجوهٍ مقبولةٍ عنده، بينما رفضها آخرون لضعف أسانيدها ومضمونها عندهم، فانقسمت الآراء إلى اتجاهين اثنين، وهما:

الاتجاه الأوَّل: إنَّ هذه الروايات ضعيفة من حيث السند والمضمون، لمنافاتها لمقام الإمام المعصوم؛ ولذلك لا يُمكن القبول بها.

قال السيِّد صادق الروحانيُّ (طاب ثراه): (إنَّ روايات صعود الإمامين الحسنين على ظهر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ليست بصحيحة. وعلى فرض صحَّتها فهي قابلة للتأمُل، إذْ إنَّ من يُولد وعمود النور بين يديه لا يُمكن أنْ تصدر منه مثل هذه التصرُّفات المؤدِّيَّة إلى قطع الاشتغال بالصلاة، فإنَّها إنَّما تصدر ممَّن يجهل قيمة الصلاة ولا يحيط بخصوصياتها، وليس المعصوم (عليه السلام) كذلك) [روايات لعب الإمامين الحسنين في الميزان ص15].

الاتجاه الثاني: إنَّ هذه الروايات يُمكن الأخذ بها بعد توجيهها بوجهٍ مقبول، لكونها روايات كثيرة تصل إلى حدِّ الاستفاضة، من ذلك:

1ـ إنَّ ما يفعله المعصوم (عليه السلام) وإنْ كان بحسب الظاهر يشبه فعل الأطفال والصبيان، ولكنه بحسب الواقع نابعٌ عن حكمةٍ وغرض صحيح، مع بقائه (عليه السلام) متَّصلاً بالله تعالى وغير غافل عنه. قال العلَّامة المجلسي (طاب ثراه) في بعض الأحاديث: (والحاصل أنَّ الإمام «لا يلهو» أي: لا يغفل عن ذكر الله. «ولا يلعب» أي: لا يفعل ما لا فائدة فيه لا في صغره ولا في كبره، وإنْ صدر منه شيءٌ يشبه ـ ظاهراً ـ فعل الصبيان ففي الواقع مبنيٌّ على أغراضٍ صحيحةٍ، ولا يغفل عند ذلك عن ذكره سبحانه، كما أنَّه (عليه السلام) في حالة اللعب الظاهريّ كان يأمر العناق بالسجود لربّه تعالى) [مرآة العقول ج2 ص338، وانظر: مجموعة الرسائل للشيخ لطف الله الصافي ج2 ص165].

2ـ إنَّ ما يفعله المعصوم (عليه السلام) ـ كالصعود على ظهر النبيّ الأعظم في الصلاة ـ راجع إلى بيان فضله على الصلاة؛ لكون الإمامة ترجع إلى أصول الدين والصلاة إلى فروعها، فكان من البيان العملي وليس اللفظي.

قال السيِّد ضياء الخبَّاز (دامت بركاته): (إنَّ الفعل اللعبيّ إنَّما يُستقبح لوكان مجرَّداً عن الغاية السامية، وأمَّا لوكان لغرضٍ إلهي، ‎‏ كاللعب على ظهر النبي (صلَّى الله عليه وآله) حال الصلاة من أجل إظهار أفضليَّة المعصوم (عليه السلام) على الصلاة فلا مانع منه، بل هو من الأساليب العمليَّة التي كان يستخدمها النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) كثيراً من أجل إظهار مكانة المعصومين (عليهم السلام) عند الله (تبارك وتعالى). والخلاصة: فإنَّه لا مانع من صدور الفعل اللعبيّ من المعصوم (عليه السلام)؛ لأجل إظهار غرضٍ إلهيٍّ، ‎‏ والنبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) يتفاعل مع هذا النحو من الأفعال، فيطيل سجوده في صلاته من أجل أنْ يبيِّن للناس أفضليَّة الإمامين الحسنين على الصلاة، باعتبار أنَّ الإمامة أصلٌ، والصلاة من الفروع) [روايات لعب الإمامين الحسنين في الميزان ص207].

نعم، هو وإنْ ناقش في هذا وذهب إلى عدم قبوله، ولكنْ يُمكن أنْ يكون وجهاً مقبولاً لتوجيه مثل هذه الروايات، ولعلَّ ما ورد في الرواية الأولى في كتاب العلل ناظرٌ إليه، كما هو ظاهر.

والنتيجة النهائيَّة من جميع ما تقدَّم: أنه على كِلا التقديرين ـ الرافض للرواية أو المؤوِّل لها ـ لا مجال للخدشة في عقيدة العصمة التي أشرنا إليها فيما سبق؛ لكونها من المحكمات والواضحات .. والحمد لله ربِّ العالمين.