كيف تسألون علياً (ع) بعد وفاته وهو القائل: «سلوني قبل أن تفقدوني»؟

السؤال: يا شيعة قال الامام علي: «سلوني قبل ان تفقدوني»، فكيف تسالونه قضاء حوائجكم وهو مفقود الان – لأنَّه ميتٌ –؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الإشكال مبنيٌّ على خلطٍ بين نوعين من العلاقة مع الإمام عليّ عليه السلام: علاقة السؤال العلميّ المباشر في حياته، وعلاقة التوسّل وطلب الدعاء وقضاء الحوائج بعد وفاته.

فنحن لا نسأل علياً مسائل فقهيَّة بعد موته؛ لأنَّ العلم هنا يحتاج إلى حضورٍ مادّيّ، ولكننا نستشفع به لأنَّه حيٌّ عند الله، وهذا التمييز بين نوعَي العلاقة هو مفتاح الجواب، وهو ما غفل عنه صاحب الإشكال.

فقول أمير المؤمنين: «سلوني قبل أن تفقدوني» ورد في مقام العلم والتعليم، لا في مقام التوسل والوساطة الروحيَّة، فقد كان الإمام يخاطب الناس في زمانه ليبيّن أنَّه معدن العلم، وأنَّ العلم الموروث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنده، وأنَّ المسؤوليات القياديَّة تقتضي أنْ يُسأل عن الأحكام والمعارف.

فالنص متعلقٌ بفيض علمه في الدنيا، لا بباب التوسّل.

وأمّا فقدان الإمام بالموت فلا يعني فقدان قدرته على الشفاعة والدعاء؛ لأنَّ الشفاعة والدعاء ليسا وظيفة جسدٍ ماديّ، بل وظيفة روحٍ حيَّة لا تنقطع بموت الجسد، وقد صرّح القرآن بأنَّ الشهداء {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [آل عمران: 169]، والأنبياء أرفع من الشهداء، وأمير المؤمنين (عليه السلام) له مقام الشهادة والولاية، فإذا كان الشهداء أحياء يرزقون، فكيف يُتوهّم أنَّ وليَّ الله لا يسمع دعاء المستغيث؟ وهنا يظهر الفرق بين عقليَّة المؤمن بالغيب، وعقليَّة الماديّ المنكر.

وقد اعترض عمر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم خاطب قتلى بدر بقوله: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟»، متسائلاً كيف يخاطب أجساداً لا أرواح فيها؟ فقال النبيّ: «ما أنتم بأسمع منهم».

فالحياة البرزخيَّة حقيقةٌ ثابتةٌ بنصوص القرآن والسنَّة، وليست وهماً كما يتخيّل المعترض.

ونحن هنا لا نعيد إثبات شرعيَّة التوسل، فقد فُعِل ذلك مراراً في أجوبةٍ سابقةٍ في مركزنا، وإنَّما نؤكد فقط أنَّ التوسّل ليس طلباً مباشراً من الميت بنحو الاستقلال، بل هو طلبٌ من وليٍّ مقرّب أن يدعو الله لعبده؛ فالشيعة لا يعتقدون بأنَّ الإمام يقضي الحاجة بذاته، بل إنَّ الله هو الذي يقضيها بجاه الإمام ومكانته.

وهذا ما دلّ عليه القرآن: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35]. والوسيلة لا تبطل بالموت؛ لأنَّ موت الجسد لا يقطع حقائق القرب الروحيّ. وفي المحصلة، نحن لا نسأل علياً (عليه السلام) مسائلَ علميَّة بعد وفاته؛ لأنَّ العلم بابٌ دنيويّ يحتاج الحضور، لكننا نتوجّه إليه بالتوسل لأنَّه حيٌّ عند الله، يسمع بإذن الله، ويجري الله على يديه الخير والشفاعة والدعاء لمن يستحق.

والشيعة لا يسألونه قضاء الحوائج استقلالاً، بل يتوسّلون به إلى الله الذي بيده ملكوت كل شيء. وعليه، فإنَّ روح الاعتراض مبنيةٌ على تصورٍ مادّيّ محدود، بينما الموقف القرآنيّ والنبويّ يرى الحياة الروحيَّة امتداداً أعمق من حدود الجسد، ويرى أولياء الله شهداءَ أحياء، يسمعون ويدعون وينتفع بهم العباد.