«سلوني قبل أن تفقدوني» عام لكل الأئمة (ع)
السؤال: هل قول «سلوني قبل أنْ تفقدوني» المرويّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) خاصٌّ به وحده، ومن فضائله التي ينفرد بها، أم هو شاملٌ لباقي الأئمَّة (عليهم السلام)؟ يُرجى بيان ذلك.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
في البدء لا بأس بالإشارة إلى نصِّ الحديث الشريف مع ذكر بعض الكتب الناقلة له من مصادر الفريقين، ثمَّ نشرع بالجواب إنْ شاء الله تعالى.
فقد روي بشكلٍ مستفيضٍ في مصادر العامة والخاصّة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال هذا القول في عدَّة مناسبات، وفي أكثر من لفظٍ وصيغة، منها:
1ـ ما قاله (عليه السلام) في بعض خُطبه: «أمَّا بعد: أيُّها الناس، فأنا فقأتُ عين الفتنة، ولم تكن ليجرأ عليها أحدٌ غيري بعد أنْ ماج غيهبها، واشتدَّ كلبها، فاسألوني قبل أنْ تفقدوني، فو الذي نفسي بيده، لا تسألوني عن شيءٍ فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئةٍ تهدي مائة وتضل مائة إلَّا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها، ومحطّ رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلاً، ويموت منهم موتاً. ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائه الأمور، وحوازب الخطوب لأطرق كثيرٌ من السائلين، وفشل كثيرٌ من المسؤولين» [نهج البلاغة ج1 ص182، اختيار مصباح السالكين ص232]، وغيرهما.
2ـ وما رواه ابن قولويه بسنده إلى عبد الحميد السمين، يرفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب الناس وهو يقول: سلوني قبل أنْ تفقدوني، فو الله ما تسألوني عن شيءٍ مضى، ولا شيءٍ يكون إلَّا نبأتكم به.
قال: فقام إليه سعد بن أبي وقَّاص، وقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة؟
فقال له: والله لقد سألتني عن مسألةٍ حدَّثني خليلي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّك ستسألني عنها، وما في رأسك ولحيتك من شعرةٍ إلَّا وفي أصلها شيطانٌ جالسٌ، وإنَّ في بيتك لسخلاً يقتل الحسين ابني، وعمر يومئذٍ يدرج بين يدي أبيه» [كامل الزيارات ص155].
ورواها الشيخ أبو جعفر الصدوق بسنده عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) [يُنظر: الأمالي ص196].
3ـ وما روي في كتب العامة أيضاً بشكلٍ كبير. [يُنظر: الصاحبيّ في فقه اللغة ص151، البصائر والذخائر ج8 ص77، المستدرك على الصحيحين ج2 ص383، الإعجاز والإيجاز للثعالبيّ ص42، السنن الواردة في الفتن ج4 ص838، الفقيه والمتفقه للخطيب ج2 ص351، تاريخ دمشق ج17 ص335]، وغيرها من المصادر الناقلة لهذا الحديث كما لا يخفى على المطالِع.
إذا بان هذا عزيزي السائل فاعلم بأنَّ قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «سلوني قبل أنْ تفقدوني» غير مختصٍّ بشخصه المبارك، وإنَّما هو شاملٌ لجميع أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، لوجوهٍ عدَّة، نذكر قسماً منها رغبةً في الاختصار وخشية التطويل.
الوجه الأوَّل: إنَّ قوله (عليه السلام) هذا يُنبئ عن سعة علمه، وأنَّه عالمٌ بما كان وما هو كائنٌ وما سوف يكون إلى يوم القيامة، وهذا دليلٌ على عصمته المطلقة، وإلَّا فلا يتصوَّر من هذا القول غير ذلك، فلاحِظ قوله (عليه السلام): «... فو الذي نفسي بيده، لا تسألوني عن شيءٍ فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئةٍ تهدي مائةً، وتضلُّ مائةً، إلَّا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلاً، ويموت منهم موتاً» تجده صريحاً وواضحاً في عصمته (عليه السلام) المطلقة.
وبما أنَّ العصمة وسعة العلم موجدتان عند جميع الأئمَّة (عليهم السلام) ـ كما هو ثابتٌ في مظانه ـ فيشتركون في هذا القول أيضاً؛ ولذلك فلا فرق بين أمير المؤمنين وباقي أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، كما هو واضحٌ.
الوجه الثاني: إنَّ الوارد في الأخبار الشريفة عندنا: أنَّ العلم الإلهيّ الواصل إلى المعصوم (عليه السلام) يبدأ برسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ثمَّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمَّ باقي الأئمَّة حتَّى يصل إلى الإمام الفعليّ، وهذا يعني أنَّ جهة علمهم (عليهم السلام) واحدةٌ؛ ولذلك فما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلامه الشريف هو عين ما يقوله أئمَّة أهل البيت، كما هو بيِّنٌ.
روى الشيخ الكلينيّ (طاب ثراه) بسنده إلى يونس بن عبد الرحمن، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس يخرج شيءٌ من عند الله (عزَّ وجلَّ) حتَّى يبدأ برسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ثمَّ بأمير المؤمنين (عليه السلام) ثمَّ بواحدٍ بعد واحد، لكيلا يكون آخرنا أعلم من أولنا» [الكافي ج1 ص255].
الوجه الثالث: ما ورد في بعض الروايات الشريفة من النص على أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) صرَّح بهذا القول بشكلٍ واضحٍ، ممَّا يعني ثبوته عند باقي الأئمَّة؛ لوحدة الملاك فيهم، كما أشرنا إلى بعضه آنفاً. روى أبو الفتح الإربليّ (طاب ثراه) عن صالح بن الأسود قال: سمعتُ جعفر بن محمَّد يقول: «سلوني قبل أنْ تفقدوني، فإنَّه لا يحدثكم أحدٌ بعدي بمثل حديثي» [كشف الغمَّة ج2 ص375، بحار الأنوار ج47 ص33]. على أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) قد صرَّحوا بمثل هذا الكلام في عباراتٍ أُخرى، وإنْ لم يجهروا بذلك على المنابر؛ وذلك لاختلاف ظروفهم عن ظرف أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي استلم زمام السلطة الظاهريَّة فيه. كما في بيانهم لآية أهل الذكر، وكما في الأحاديث المتواترة الدالَّة على سعة علومهم، وما أشبه ذلك.
بقي شيءٌ:
لو قال قائلٌ: روى الحسن بن سليمان الحليّ (طاب ثراه) عنه (عليه السلام) أنَّه خطب فقال: «سلوني، فإنِّي لا أُسأل عن شيءٍ دون العرش إلَّا أجبت فيه، كلمةٌ لا يقولها بعدي إلَّا جاهلٌ مدَّعٍ أو كذَّابٌ مفترٍ) [المحتضر ص158]، فيكف نثبت ذلك لباقي الأئمَّة (عليهم السلام)؟
نقول: إنَّ كلامه هذا ناظرٌ إلى سائر الناس، وليس إلى أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)؛ وذلك لما ثبت من اشتراكهم في العصمة والعلم، كما تقدَّم. والشاهد على هذا، ما جاء في كلامه السابق، حيث قال: «... ولو قد فقدتموني، ونزلت بكم كرائه الأمور، وحوازب الخطوب؛ لأطرق كثيرٌ من السائلين، وفشل كثيرٌ من المسؤولين» [نهج البلاغة ج1 ص182]. إذْ عبَّر (عليه السلام) بقوله: «وفشل كثيرٌ من المسؤولين» ولم يقل: كل المسؤولين.
والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك، أنَّ قوله (عليه السلام): «سلوني قبل أنْ تفقدوني» من الأخبار المستفيضة في تراث المسلمين، وأنَّه ليس من مختصَّات أمير المؤمنين (عليه السلام) التي تفرَّد بها، وإنَّما هو شاملٌ لباقي الأئمَّة (عليهم السلام) أيضاً، وإنْ كان هو (عليه السلام) أشهر من قالها من الأئمَّة. وآخر دعوانا: أن الحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق