كيف تكون نظرية العصمة واقعية بين ملايين البشر؟
السؤال: نظرية المعصوم غير واقعيَّةٍ وغير قابلةٍ للتطبيق، فنظرية المعصوم هي التي تدمّر نفسها، البشر تعدادهم بمئات الملايين ومتوزعون في الأرض، وإذا كان لا يبلّغ الدين إلّا معصومٌ، فمن ذلك المعصوم الذي يمكنه أنْ يبلّغ مئات الملايين من البشر؟ لنفترض أنَّ رجلاً في باديةٍ، والمعصوم يبعد عنه ألف كيلومترٍ، واحتاج أن يعرف حكم مسألةٍ، فهل يجب عليه أنْ يعطّل مشاغله ويضرب أكباد الإبل إلى المعصوم ليسأله؟ وإذا كان عدد المسلمين مئات الملايين يوم كان هناك معصومٌ، واحتاج مليونٌ منهم لمعرفة شيءٍ من الدين، فهل عليهم أنْ يتركوا مصالحهم، ويضربوا أكباد الإبل إلى المعصوم ليبيّن لهم، وهل سيكفي معصومٌ واحدٌ ليبين لكلِّ هؤلاء الملايين مسائلهم؟ إنَّ نظرية المعصوم لا يمكن أنْ يتقبَّلها العقل، وهي غير قابلةٍ للتطبيق على أرض الواقع.
الجواب:
تستند هذه الدعوى على افتراضٍ غير دقيقٍ لطبيعة «العصمة»، ووظيفة «المعصوم»، إذ تتعامل مع المعصوم كما لو كان موظفاً إدارياً مهمته الإجابة المباشرة عن أسئلة ملايين البشر، وتفترض أنّ كل فردٍ يحتاج أنْ يلتقي المعصوم وجهاً لوجهٍ ليعرف حكم الله، في حين أنَّ هذا التصور لا أساس له في القرآن، ولا السنَّة، ولا العقل؛ فالعصمة ليست جهازاً للخدمات الفرديَّة، وإنَّما هي ضمانةٌ لسلامة المنهج الإلهيّ عند مصدره، حتَّى يصل الدين إلى الأمة صافياً من التحريف والهوى.
وهذه هي الحاجة العقليَّة التي تفسّر وجود المعصوم، لا الصورة الخياليَّة التي يبني عليها صاحب الإشكال اعتراضه.
فوظيفة المعصوم الأساس هي تبليغ الأصول التي يقوم عليها الإيمان، وتأسيس المنهج الذي تُفهم به تفاصيل الشريعة، وتقديم النموذج الأرقى للتطبيق العمليّ، وحفظ سنّة رسول الله من التحريف، بحيث تبقى مرجعاً ثابتاً عبر الزمن.
ولا تعني العصمة أنَّ على الناس أنْ يشدّوا الرحال إليه؛ للسؤال عن كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، بل تعني أنّ المصدر الذي صدر عنه الدين مصدرٌ مأمونٌ، وأنّ المنهج الذي وضعه معصومٌ من الخطأ. فالاعتراض الذي يُقال: «كيف يمكن لمعصومٍ واحدٍ أن يجيب الملايين؟» مبنيٌّ على فهمٍ غير واقعيٍّ لوظيفة العصمة؛ لأنَّ الناس لا يحتاجون أصلاً إلى اتصالٍ مباشرٍ بالمعصوم لكي يصلهم حكم الله، بل يحتاجون إلى وجود معلمٍ أول مؤتمنٍ يُنشئ منهج الفهم، ثم تنتقل المعرفة عبر طبقات العلماء والرواة والمتخصصين، كما كان الأمر في عهد الأنبياء أنفسهم.
وليس أدلّ على خطأ ذلك التصور من النظر إلى النبوّة نفسها، فالنبيّ محمد (صلى الله عليه وآله) عاش في بقعةٍ جغرافيَّةٍ واحدةٍ ولم يلتقِ إلا نسبةً ضئيلةً جداً من البشر، ومع ذلك بلغ دينُه مئات الملايين، فهل يملك صاحب الإشكال الشجاعة ليقول: إنَّ النبوّة غير واقعيَّةٍ؛ لأنَّها لم تُجِب مباشرةً عن أسئلة كلِّ فردٍ؟
إنَّ وظيفة النبيّ هي إقامة الحجة، وإرساء أركان الدين، وتأسيس المنهج، وليس تقديم «خدمةٍ مباشرةٍ» لكلِّ إنسانٍ، وهذا هو بالضبط دور الإمام المعصوم؛ ولذا يقول القرآن: إنَّ الرسل مبشّرون ومنذرون، لا موظفو استفتاءاتٍ، فإذا ثبت عقلاً أنّ البشريَّة تحتاج إلى «مصدرٍ معصومٍ» يُؤخذ منه الدين، فهذا لا يعني عقلاً أنّ الجميع يجب أنْ يلتقوه؛ لأنَّ نقل العلم لا يعتمد على اللقاء المباشر، بل على سلامة المصدر ومنهج الامتداد.
وما جرى في تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) يبرهن أنَّ دورهم لم يكن الردّ الفرديّ المباشر على كلِّ سؤالٍ، بل بناء شبكةٍ معرفيَّةٍ تمتد عبر الزمن، فقد أنشأوا طبقاتٍ من العلماء والرواة، ووجّهوا الناس إلى أصحابهم الثقات، وقالوا مثلاً: «خذوا عن زرارة» و«خذوا عن محمد بن مسلم»؛ فلو كانت العصمة غير قابلةٍ للتطبيق كما يزعم المعترض، لكان هذا التوجيه غير ذي معنىً، ولكان لزاماً على كلِّ مسلمٍ أنْ يُلازم مجلس الإمام؛ لكنَّ الواقع أنّ الإمام كان يضع الأسس، ويترك للبنية العلميَّة المنهجيَّة أنْ تنقل التفاصيل عبر الأجيال.
فوجود المعصوم إذن ليس نظاماً للاحتكاك المباشر، بل هو رأس هرمٍ معرفيّ يؤسس المدرسة ويضمن نقاءها، كما يضمن العقل سلامة أيِّ منظومةٍ علميَّةٍ عند مصدرها، فالمعرفة الدينيَّة ليست تراكم أسئلةٍ، بل هي منظومةٌ تبنى على قواعد، وهذه القواعد لا بد أنْ تكون معصومةً عند مصدرها، وإلا انفتح باب التحريف منذ اللحظة الأولى. وهنا تكمن الحاجة العقليَّة للعصمة: فإذا لم يكن المصدر الأول معصوماً، فلا معنى للثقة بكلِّ ما يخرج عنه، وستبقى إمكانيَّة الخطأ قائمةً في أصل الشريعة، ممَّا يؤدّي إلى ضياع الدين كله.
فالعقل لا يشترط ـ في أيِّ علمٍ من العلوم ـ أنْ يكون المعلّم الأول متاحاً لكلِّ إنسانٍ في كلِّ زمانٍ، بل يشترط أنْ يكون أصل المعرفة صحيحاً، وأنْ يكون المنهج سليماً، وأنْ توجد آلياتٌ لنقل العلم عبر الزمن. فإذا وُجد مصدرٌ معصومٌ، ثم وُضعت قواعد الاستنباط، ثم نُقل العلم عبر طبقاتٍ موثوقةٍ، فهذا وحده كافٍ لبناء منظومةٍ دينيَّةٍ خاليةٍ من التحريف.
وفي المحصلة: نظرية العصمة ليست عبئاً عمليّاً، ولا فكرةً غير واقعيَّةٍ، بل هي الحلّ العقلائيّ الوحيد لضمان بقاء الدين بلا تحريفٍ؛ فالمعصوم ليس موظف استفتاءاتٍ، بل هو مرجعٌ تأسيسيٌّ، وجوده يضمن صحة المنبع الذي تنطلق منه الأصول، والمنهج الذي تُستنبط به الفروع، والقدوة التي تُحافظ على روح الدين.
وأما نقل التفاصيل، فهو مهمة الامتداد العلميّ، لا مهمة المعصوم حصراً. وهكذا، فالعقل والدين والتاريخ يشهدون بأنَّ الحاجة إلى المعصوم حاجةٌ تأسيسيَّةٌ منهجيَّةٌ، لا حاجةٌ خدميَّةٌ مباشرةٌ، وأنَّ غيابه يعني غياب الضمانة، وغياب الضمانة يعني ضياع الدين نفسه، وهو ما يتناقض مع حكمة الله في حفظ شريعته.
اترك تعليق