هل يستطيع العلم التجريبي أن يؤسس للأخلاق؟

السؤال: (القيم الأخلاقيّة هي التي ترتقي بعافية الإنسان، وبما أنّ العلم قادرٌ على إخبارنا بما يحقق العافية، فهو قادرٌ على تحديد القيم الأخلاقيّة الحسنة والقبيحة!) يعني بوجود العلم لا حاجة لأيّ مصدرٍ غيبيٍّ يتحكّم بأخلاقيّات الإنسان. سام هاريس المشهد الأخلاقيّ. كيف يمكن للعلم التجريبيّ أنْ يحدّد القيم الإنسانيّة؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

العلم التجريبيّ بطبيعته معنيٌّ بسؤالٍ واحدٍ هو: كيف تجري الأشياء في العالم؟ فهو يصف الواقع كما هو، ويكشف العلاقات السببيّة بين الظواهر، ويقيس النتائج المترتبة على الأفعال والسلوكيّات.

لكنّه لا يملك من حيث هو علمٌ تجريبيٌّ أنْ يجيب عن سؤالٍ مختلفٍ وأعمق، وهو: لماذا ينبغي لنا أنْ نختار هذا الفعل دون غيره؟ أي لماذا يكون هذا السلوك واجباً أو حسناً من الأساس؟

فعندما يقول سام هاريس إنّ «العافية» هي المعيار الأعلى للأخلاق، فإنّه لا يستخرج هذا المعيار من تجربةٍ علميّةٍ أو معطىً تجريبيّ، بل يفترضه ابتداءً كخيارٍ فلسفيٍّ سابقٍ على العلم نفسه، فالعلم لا يقرّر أنّ «العافية خيرٌ بذاتها» ولا أنّها قيمةٌ يجب السعي إليها أخلاقيّاً، بل يكتفي بالقول: إذا سلّمنا مسبقاً بأنّ العافية قيمةٌ مطلوبةٌ، فإنّ سلوكاً معيّناً يحققها أكثر من سلوكٍ آخر.

وهنا يتضح الفرق الجوهريّ؛ إذ إنّ العلم في هذا السياق لا يُنشئ القيمة ولا يبرّر إلزامها الأخلاقيّ، بل يتحرّك داخل منظومةٍ قيميّةٍ جاهزةٍ تحدّد له ما الذي يُعدّ خيراً ابتداءً، بينما يظلّ دوره محصوراً في بيان الوسائل والنتائج، لا في تأسيس المعيار الأخلاقيّ نفسه ولا في منحه صفة الإلزام.

وهنا تظهر المشكلة المنهجيّة الكبرى: من الذي حدّد أنّ «العافية» هي القيمة العليا؟ ولماذا لا تكون الحريّة، أو الكرامة، أو العدالة، أو الوفاء، أو التضحية؟ بل لماذا لا تكون عافية فردٍ واحدٍ على حساب شقاء الملايين؟ العلم يمكنه أنْ يخبرنا بنتائج هذا الاختيار، لكنّه عاجزٌ تماماً عن تبرير أفضليته الأخلاقيّة.

أيّ نظامٍ أخلاقيٍّ يحتاج دائماً إلى نقطة بدءٍ معياريّةٍ غير قابلةٍ للاشتقاق التجريبيّ، وهذه النقطة لا يولّدها العلم بل يفترضها.

ثم إنّ مفهوم «العافية» نفسه ليس مفهوماً علميّاً خالصاً، بل مفهومٌ محمّلٌ بأحكامٍ قيميّةٍ وثقافيّةٍ، فهل العافية هي اللذة؟ أم السعادة النفسيّة؟ أم غياب الألم؟ أم تحقيق المعنى؟ أم الانسجام الاجتماعيّ؟ أم القوة؟ أم البقاء؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها المختبر، بل يجيب عنها تصوّر الإنسان لذاته ولمعنى حياته.

ولهذا نرى أنّ المجتمعات قد تختلف جذرياً في تعريف «الحياة الجيدة»، رغم امتلاكها العلوم نفسها.

والأخطر من ذلك أنّ تحويل الأخلاق إلى مسألة «عافيةٍ قابلةٍ للقياس» يفتح الباب لتبرير انتهاكاتٍ كبرى باسم العلم نفسه، فإذا أثبتت الدراسات – افتراضاً – أنّ التضحية بأقليةٍ ما تزيد «العافية العامة»، فبأيّ حقٍّ علميّ نرفض ذلك؟ هنا يتكشّف الفراغ الأخلاقيّ في الطرح؛ لأنّ العلم يستطيع أنْ يبرّر الوسائل، لكنّه لا يستطيع أنْ يمنح قداسةً للإنسان بوصفه إنساناً. القيمة غير المشروطة للإنسان ليست نتيجة تجربةٍ، بل أصلٌ سابقٌ على كلّ تجربةٍ.

وعليه، فإنّ الادعاء بأنّ «وجود العلم يغنينا عن أيّ مصدرٍ غيبيٍّ للأخلاق» ليس انتصاراً للعقل، بل تحميلٌ للعلم ما لا يطيق، فالعلم أداةٌ قويةٌ لفهم النتائج، لكنّه لا يصنع الغايات.

والأخلاق ليست علماً تجريبيّاً، بل نظام معنىً ومعيار، والعلم لا يعمل إلا داخل هذا النظام. والدين – أو أيّ مرجعيةٍ ميتافيزيقيّةٍ – لا ينافس العلم في تفسير الظواهر، بل يقدّم الأساس الذي يجعل الحديث عن «خير» و«شر» حديثاً معقولاً أصلاً.

ومن هنا يمكن القول إنّ السؤال الحقيقيّ ليس: «هل يستطيع العلم تحديد القيم الإنسانيّة؟» بل: «من أين جاء المعيار الذي نُخضع له نتائج العلم؟». ما لم نجب عن هذا السؤال، سيبقى العلم – مهما بلغ – عاجزاً عن أنْ يكون بديلاً عن المرجعيّة القيميّة، وسيظلّ محتاجاً إلى افتراضاتٍ أخلاقيّةٍ لا يملك هو نفسه القدرة على تبريرها.