هل يشترط في السبب الأول أن يكون داخل الزمان والمكان؟
السؤال: لماذا لا يمكن أنْ يكون الله هو السبب الأول؟ لأنّه بناءً على قانون السببيّة لابدّ أنْ تكون هناك رابطةٌ بين المسبِّب (بكسر الباء) والمسبَّب (بفتح الباء)، أو بين السبب والنتيجة، فإذا كانت نظرية الانفجار العظيم صحيحةً، فلابدّ من وجود علاقةٍ بين الله وبين الانفجار العظيم، لا باعتباره مسؤولاً عن "إشعال فتيل الانفجار" فقط بل باعتباره سبباً مستمراً لكلّ حالةٍ من حالات الكون الذي خلقه، وهكذا فإنّ الله سيكون مرتبطاً بوجود مادة الانفجار وحدوث الانفجار نفسه! ولكن الله في الفكر الدينيّ لابدّ أنْ يكون معزولاً عن الموجودات، وخارجاً عن الزمان والمكان، وهكذا لن تكون هناك أيّ صلةٌ بينه وبين الانفجار العظيم. وبكلماتٍ أخرى: إنّ العلة لابدّ أنْ تكون مجاورةً لمعلولها، ووجود الإله خارج الزمان والمكان معناه انفكاك العلة عن المعلول، بينما لا يمكن أنْ تنفكّ العلة عن المعلول.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الإشكال مأخوذٌ من مناظرةٍ افتراضيّةٍ بين ملحدٍ ومؤمنٍ نُشرت في موقع الحوار المتمدن، وهي مناظرةٌ كُتبت بروحٍ جدليّةٍ واضحةٍ، تَغلُب عليها الانتقائيّة والتحيّز غير العلميّ، إذ تولّى الملحد صياغة الحوار وبناء أسئلته وأجوبة الطرف الآخر بطريقةٍ تُظهر المؤمن في صورة المتردّد أو العاجز عن الفهم، لا بوصفه ممثلاً حقيقياً للرؤية الفلسفيّة أو الكلاميّة للدين.
ومن هنا فإنّ تفكيك هذا المقطع والردّ عليه كفيلٌ بإظهار مقدار السذاجة المنهجيّة التي تحكم طريقة التفكير الإلحاديّ في مثل هذه الطروحات، لا سيما حين يتعامل مع قضايا ميتافيزيقيّةٍ بأدواتٍ فيزيائيّةٍ سطحيّةٍ.
وهذا المقطع في حقيقته لا يوجّه طعناً حقيقياً إلى فكرة «السبب الأول»، بقدر ما يكشف عن خلطٍ جوهريٍّ بين نوعين مختلفين من السببيّة: السببيّة الفيزيائيّة التي يدرسها العلم التجريبيّ داخل إطار الكون، والسببيّة الوجوديّة أو الفلسفيّة التي يُبحث فيها عن أصل الوجود نفسه، ولماذا وُجد من الأساس.
ومن هذا الخلط تحديداً يتولّد الإشكال، إذ يتمّ إسقاط قوانين العالم الماديّ، المصمَّمة لتفسير التغيّر والحركة داخل الكون، على ما هو متعالٍ عن الكون نفسه، وكأنّ العلّة الأولى يجب أنْ تخضع للشروط نفسها التي تخضع لها الظواهر الفيزيائيّة، وهو افتراضٌ لا يستند إلى منطقٍ علميٍّ ولا إلى تحليلٍ فلسفيٍّ سليمٍ.
فأوّل ما ينبغي توضيحه أنّ قانون السببيّة الذي نعرفه في الفيزياء ليس قانوناً مطلقاً شاملاً لكلّ مراتب الوجود، بل هو قانونٌ يعمل داخل الكون، أي بين موجوداتٍ متغيّرةٍ، زمانيّةٍ، ماديّةٍ. حين نقول إنّ النار سببٌ للاحتراق، أو إنّ الطاقة سببٌ للانفجار، فنحن نتكلّم عن أسبابٍ من سنخٍ واحدٍ مع نتائجها، تشترك معها في الزمان والمكان والنظام الفيزيائيّ نفسه.
أمّا حين يُطرح سؤال «لماذا يوجد الكون أصلاً؟» أو «لماذا وُجدت المادة والقوانين من الأساس؟» فنحن نكون قد تجاوزنا مجال السببيّة الفيزيائيّة إلى مجالٍ آخر أعمق، هو مجال العلّة الوجوديّة.
فالقول بأنّ العلّة يجب أنْ تكون «مجاورةً» لمعلولها صحيحٌ في الأسباب الطبيعيّة، لكنّه غير صحيحٍ في الأسباب الوجوديّة. فالعلاقة بين الله والكون ليست علاقة تماسٍّ مكانيٍّ ولا تفاعلٍ فيزيائيٍّ، بل علاقة إفاضةٍ وإيجادٍ.
الله لا يُفهم في الفكر الفلسفيّ الدينيّ بوصفه جسماً داخل الكون حتّى يُقال: كيف يجاور الانفجار العظيم؟ بل يُفهم بوصفه علّة الوجود من حيث هو وجودٌ، أي السبب الذي يمنح الشيء أصل تحقّقه، لا مجرّد تغيّر حالاته.
أما القول إنّ كون الله خارج الزمان والمكان يعني انفكاك العلّة عن المعلول، فهو مبنيٌّ على فهمٍ خاطئٍ لمعنى «الخارجيّة».
الله ليس خارج الزمان والمكان بمعنى الغياب أو الانفصال، بل بمعنى أنّه غير محكومٍ بهما، الزمان والمكان من شؤون الكون نفسه، فكيف يُشترط على خالق الزمان أنْ يكون زمانياً، أو على خالق المكان أنْ يكون مكانياً؟ إنّ اشتراط المجاورة هنا هو في الحقيقة تحويلٌ لله إلى كائنٍ فيزيائيٍّ، لا علّةٍ ميتافيزيقيّةٍ.
ثم إنّ الإشكال يخلط بين «السبب الأول» و«السبب الزمنيّ»، الله ليس سبباً أوّلاً بمعنى أنّه وقع في لحظةٍ زمنيّةٍ سابقةٍ على الانفجار العظيم ثمّ انتهى دوره، بل هو سببٌ أوّلٌ بمعنى العلّة المستمرّة. وجود الكون في كلّ لحظةٍ متوقّفٌ عليه، لا فقط في لحظة البداية.
ولهذا عبّر الفلاسفة عن الله بأنّه «علّة العلل» لا «أوّل حلقةٍ في سلسلةٍ زمنيّةٍ». فلو انقطعت هذه العلّة لحظةً واحدةً لانعدم الكون، لا لأنّ الله أشعل الفتيل ثمّ انسحب، بل لأنّ الوجود ذاته محتاجٌ في بقائه إلى من يفيضه. أما القول إنّ هذا يجعل الله «مرتبطاً بمادة الانفجار وحدوثه»، فهو صحيحٌ من جهةٍ، وخاطئٌ من جهةٍ أخرى.
صحيحٌ بمعنى الارتباط الوجوديّ: أي أنّ وجود المادة والقوانين والحدث نفسه قائمٌ بالله، وخاطئٌ إذا فُهم الارتباط على أنّه تداخلٌ أو امتزاجٌ أو حلولٌ. العلاقة هنا ليست علاقة جزءٍ وكلٍّ، ولا علاقة جسمٍ بجسمٍ، بل علاقة قيام الممكن بالواجب.
الكون لا يقف قبالة الله كشيءٍ مستقلٍّ، بل يقوم به قيام الفقير بالغنيّ.
وبعبارةٍ أوضح: عدم انفكاك العلّة عن المعلول لا يعني التلازم المكانيّ أو الزمانيّ، بل يعني استحالة وجود المعلول دون علّته، وهذا الشرط متحقّقٌ تماماً في التصوّر الإلهيّ؛ فالكون لا يمكن أنْ يوجد لحظةً واحدةً دون علّته الوجوديّة، حتّى لو كانت هذه العلّة متعاليةً عن الزمان والمكان، بل لو كانت العلّة داخل الزمان والمكان لكانت هي نفسها محتاجةً إلى علّةٍ، ولسقطنا في تسلسلٍ لا ينتهي.
وفي المحصّلة، الإشكال لا يسقط فكرة الله كسببٍ أوّلٍ، بل يسقط تصوّراً ساذجاً للسببيّة يريد أنْ يحاكم الوجود المطلق بقوانين الفيزياء.
أمّا إذا فُهمت السببيّة على نحوها الفلسفيّ الصحيح، فإنّ كون الله خارج الزمان والمكان ليس عائقاً عن كونه علّةً للكون، بل هو الشرط الضروريّ لكي يكون علّةً حقيقيّةً غير محتاجةٍ، وقادرةً على تفسير أصل الوجود لا مجرّد تحوّلاته.
اترك تعليق