هل الدين مصدر العنف وشماعة لأخطاء الإنسان؟

السؤال: إنّ الضرر الذي نتج من الأديان أكبر من أيّ ضررٍ نتج عن فكرةٍ بشريّةٍ، مئات ملايين البشر الذين ماتوا، أو قُطّعوا، أو أُحرقوا، أو تعرّضوا للاغتصاب، وسُرقت أموالهم، وهُدمت دورهم وآمالهم بلا حقٍّ! فقط لإرضاء إلهٍ مزعومٍ يأمرنا أنْ نقتل بعضنا بعضاً، ويتّخذ بعضنا بعضاً سخرياً. إنّ المؤمن يحرّم السرقة، ولكنّه يرجع ويحلّل الغنيمة، وما هي إلا سرقةٌ مقنّعةٌ. أمّا بالنسبة للإلحاد فهو لا يناقش السلوكيّات الاجتماعيّة للبشر، بل يتركها لذوي الاختصاص من علماء النفس والاجتماع، وهم يخبروننا أنّ الإنسان حيوانٌ اجتماعيٌّ يسعى دائماً للتميّز في مجتمعه عن طريق التنافس وتبادل المنفعة (التعاون)؛ ولذا فنحن لا نسرق أو نقتل حتّى لا نسقط اجتماعيّاً من أعين الناس من حولنا ونعيش منعزلين. وإنّ نتطلّع لبناء مجتمعٍ تحلّ فيه كلّ الجرائم باستخدام الوسائل العلميّة والبحث الموضوعيّ لهو أفضل من أنْ تسند ظهرك على إلهٍ وهميٍّ غير موجودٍ.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الكلام يتردّد بصياغاتٍ مختلفةٍ، وقد سبق أنْ أجبنا عن مثله في عددٍ من الأسئلة المنشورة على موقعنا، لكنّ إعادة طرحه تفرض إعادة التفكيك والبيان؛ لا لأنّ فيه جديداً، بل لأنّه يجمع مجموعةً من المغالطات المتكرّرة التي تُقدَّم بثقةٍ خطابيّةٍ توهم القارئ بأنّها حقائق بديهيّةٌ، بينما هي في الواقع خليطٌ من التعميم التاريخيّ، والخلط المفاهيميّ، والمصادرة الفلسفيّة على المطلوب، إذْ أوّل ما يلفت النظر في هذا الادّعاء هو التعميم غير العلميّ في تحميل «الأديان» مسؤوليّة كلّ عنفٍ وقع في التاريخ، فالتاريخ الإنسانيّ، عند قراءته قراءةً جادّةً، لا يُظهر أنّ الدين كان المحرّك الأكبر للعنف، بل يكشف أنّ العوامل السياسيّة والاقتصاديّة والعرقيّة والسلطويّة كانت هي المحرّك الأساس، بينما استُخدم الدين – كما استُخدمت القوميّة والعرق والطبقة والأيديولوجيا – أداةً للتعبئة والتبرير.

فهل ملايين القتلى في الحربين العالميّتين، أو ضحايا الاستعمار الحديث، أو مذابح الأنظمة الشموليّة في القرن العشرين، كانت بدافع إرضاء «إلهٍ مزعومٍ»؟ أم كانت ثمرة مشاريع بشريّةٍ خالصةٍ، قامت على القوميّة المتطرّفة، أو العنصريّة، أو عبادة الدولة، أو تقديس العرق، أو الإيمان الأعمى بـ«العلم» حين انفصل عن القيم؟

إنّ تحميل الدين وحده وزر العنف هو قراءةٌ انتقائيّةٌ للتاريخ، لا قراءةٌ تفسيريّةٌ.

ثم إنّ هذا الخطاب يخلط خلطاً فادحاً بين «الدين كنصٍّ وقيمةٍ» وبين «التديّن كتجربةٍ بشريّةٍ». فالدين، في نصوصه المؤسّسة، جاء لضبط العنف لا لإطلاقه، ولتحريم العدوان لا لتبريره، ولحماية النفس والمال والعرض لا لانتهاكها.

أمّا ما وقع من قتلٍ أو حرقٍ أو اغتصابٍ أو نهبٍ باسم الدين، فهو في حقيقته خيانةٌ للدين لا تجسيدٌ له.

ولو صحّ منطق تحميل الفكرة مسؤوليّة كلّ من أساء استعمالها، لكان لزاماً تحميل فكرة «الحريّة» مسؤوليّة الفوضى، وفكرة «الدولة» مسؤوليّة الاستبداد، وفكرة «العلم» مسؤوليّة القنبلة النوويّة. لكنّ العقلاء يميّزون دائماً بين الفكرة في ذاتها، وبين توظيفها المنحرف.

وأمّا الادّعاء بأنّ المؤمن يحرّم السرقة ثمّ «يحلّل الغنيمة» بوصفها سرقةً مقنّعةً، فهو مثالٌ صارخٌ على الجهل بالمفاهيم الفقهيّة والأخلاقيّة. فالسرقة هي أخذ مال الغير خفيةً بغير حقٍّ، أمّا الغنيمة فهي مفهومٌ قانونيّ مرتبطٌ بحالة حربٍ منظّمةٍ لها ضوابط أخلاقيّةٌ وتشريعيّةٌ صارمةٌ، وليست نهباً فرديّاً ولا اعتداءً عشوائيّاً. بل إنّ الشريعة قيّدت الغنيمة بقيودٍ لا تعرفها أكثر الحروب الحديثة، من تحريم قتل غير المقاتلين، وتحريم الاعتداء على المدنيّين، وتحريم التخريب غير الضروريّ، وتحريم الغدر. والمفارقة أنّ الحروب الحديثة، التي تُدار بلا مرجعيّةٍ دينيّةٍ، مارست نهب الثروات تحت مسمّيات «التعويضات» و«إعادة الإعمار» و«المصالح الاستراتيجيّة»، دون أنْ يصفها أحدٌ بأنّها «سرقةٌ مقنّعةٌ».

وأمّا القول بأنّ الإلحاد «لا يناقش السلوكيّات الاجتماعيّة» ويتركها لعلماء النفس والاجتماع، فهو اعترافٌ لا يُحسب له بل عليه؛ لأنّ السؤال الأخلاقيّ ليس سؤال «كيف يتصرّف الإنسان؟» بل سؤال «لماذا يجب أنْ يتصرّف هكذا؟».

العلوم الوصفيّة تشرح ما هو كائنٌ، لكنّها عاجزةٌ عن تأسيس ما ينبغي أنْ يكون. قولهم إنّ الإنسان لا يسرق أو يقتل لأنّه «حيوانٌ اجتماعيٌّ» يخشى العزلة والسقوط الاجتماعيّ، لا يؤسّس أخلاقاً، بل يختزل الأخلاق إلى مصلحةٍ. وبموجب هذا المنطق، إذا أمِن الإنسان العقوبة الاجتماعيّة، أو امتلك القوّة التي تحميه من المحاسبة، فلا مانع أخلاقيّاً من القتل أو السرقة أو الاغتصاب. وهذا ليس افتراضاً نظريّاً، بل واقعٌ شهد به القرن العشرون حين تحرّرت الأنظمة الشموليّة من أيّ مرجعيّةٍ متعاليةٍ، فحوّلت الإنسان إلى رقمٍ في مشروعٍ أكبر.

ثم إنّ الحديث عن «الوسائل العلميّة والبحث الموضوعيّ» لحلّ الجرائم، مع استبعاد أيّ مرجعيّةٍ قيميّةٍ متجاوزةٍ، حديثٌ ساذجٌ فلسفيّاً.

فالعلم لا يقول لك لماذا يجب أنْ تحمي الإنسان الضعيف، ولا لماذا يجب أنْ تحاسب القويّ، ولا لماذا يكون الظلم شرّاً حتّى لو حقّق منفعةً جماعيّةً. هذه أسئلةٌ معياريّةٌ لا يجيب عنها المختبر، ولا تُحسم بالإحصاء. وحين يُترك تحديد الخير والشرّ لـ «التوافق الاجتماعيّ»، فإنّ الأخلاق تصبح نسبيّةً، قابلةً للتبدّل بتبدّل المزاج العامّ، ويصبح اضطهاد الأقلّية مشروعاً متى ما وافقت عليه الأغلبيّة.

وأخيراً، فإنّ تصوير الإيمان بالله على أنّه «اتّكاءٌ على وهمٍ» يتجاهل السؤال الجوهريّ: ما الذي يمنح القيم الأخلاقيّة صفة الإلزام؟ ولماذا يجب على الإنسان أنْ يلتزم بها حتّى حين تتعارض مع مصلحته؟

الإيمان بالله لا يلغي العقل ولا العلم ولا الاجتماع، بل يمنحها جميعاً سقفاً أخلاقيّاً يمنع تحوّلها إلى أدوات قهرٍ، والمفارقة الكبرى أنّ المجتمعات التي تتمتّع اليوم بأعلى درجات الاستقرار والحقوق لم تصل إلى ذلك عبر الإلحاد الخالص، بل عبر تراكمٍ تاريخيٍّ تشكّلت فيه القيم الدينيّة – ولو بعد علمنتها – كضميرٍ أخلاقيٍّ سابقٍ على القانون.

وفي المحصّلة، إنّ هذا الادّعاء لا يقدّم نقداً للدين بقدر ما يكشف عن قراءةٍ سطحيّةٍ للتاريخ، وفهمٍ فقيرٍ للأخلاق، ومراهنةً غير مبرّرةٍ على علمٍ لا يملك أدوات الإجابة عن سؤال المعنى والقيمة. الدين لم يكن المشكلة، بل كان – وسيبقى – أحد أهمّ الحلول حين يُفهم في أفقه الإنسانيّ والأخلاقيّ الصحيح.