سلامة الأنبياء والأئمة (ع) من العاهات

السؤال: ما هو الدليل على أنَّ الأنبياء أو الأئمَّة (عليهم السلام) يجب أنْ يكونوا سالمين من العاهات والتشوُّهات في الخَلق إذا لم تكن هذه الأمور تؤثِّر على عقلهم وقدرتهم على تبليغ الدعوة وإيصالها إلى الناس؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية لا بأس من الإشارة إلى ضرورة بعث الأنبياء إلى الخلق، ذلك أنَّ الله تعالى منزَّهٌ عن الجسم والجسمانيات، ولا يُمكن للخلق أنْ يباشروه أو يتلقَّوا عنه بلا واسطة، ولما أراد الله تعالى هداية الخلق وإيصالهم إلى الكمال والغاية التي خُلقوا من أجلها، اقتضت حكمته أنْ يبعث إليهم أنبياء يبيِّنون لهم معالم الطريق ويهدونهم إلى سواء السبيل.

وعين هذا الكلام يجري في شأن الأئمَّة بعد الرسل؛ لقيام الداعي إلى وجودهم وانتفاء المانع عنه، كما هو بيِّنٌ وواضح.

روى الكلينيّ (طاب ثراه) بسنده عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال للزنديق الذي سأله من أين أثبت الأنبياء والرسل؟ قال: «إنَّه لما أثبتنا أنَّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أنْ يشاهده خلقه، ولا يلامسوه، فيباشرهم ويباشروه، ويحاجَّهم ويحاجُّوه، ثبت أنَّ له سفراء في خلقه، يعبِّرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلُّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، والمعبِّرون عنه (جلَّ وعزَّ)، وهم الأنبياء (عليهم السلام) وصفوته من خلقه، حكماء مؤدَّبين بالحكمة ... مؤيَّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة، ثمَّ ثبت ذلك في كلِّ دهرٍ وزمان مما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين، لكيلا تخلو أرض الله من حُجة يكون معه علم يدلُّ على صدق مقالته وجواز عدالته» [أصول الكافي ج1 ص168].

إذا بان هذا فنقول:

لا يخفى أنَّ الغاية من بعثة الأنبياء هي هداية الخلق وإيصالهم إلى الكمال المنشود، وهذه الغاية لا تتحقَّق على وجهها الأكمل فيما لو كان النبيّ أو المعصوم مبتلىً بعاهةٍ تُوجب نفور الناس عنه، إذْ إنَّ ذلك قد يحول دون قبولهم لرسالته ويُضعف أثر دعوته، فيتعارض مع الهدف الرئيس للبعثة، وهو جذب القلوب إلى الهداية الإلهيَّة، ومن هنا كان لزاماً أنْ يكون الأنبياء وكذا الأئمَّة أكمل الناس وأفضلهم في جميع الجهات، ليتم بذلك الغرض الأساس من إرسالهم على أكمل وجه.

قال الشيخ السبحانيّ (دام ظلُّه): (هناك صفاتٌ أُخرى يجب اتصاف الأنبياء بها تحصيلاً لغرضهم، التي لولاها لما وصلوا إليه، ويجمعها التنزُّه عن كلِّ ما يوجب تنفُّر الناس، والتحلِّي بكلِّ ما يوجب انجذابهم إليهم ... ومن العوامل الباعثة على اجتماع الناس حول القائد، سلامته في بدنه من التشوُّه، ومن الأمراض التي يستوحش الناس معها من التعاطي مع المصاب بها، كالجذام والبرص) [الإلهيات ج3 ص209]، بل المستفاد من مجموع النصوص الدينيَّة الدالَّة على كمال وصفهم وعظيم هيبتهم وحسن سمتهم أنَّهم الأفضل حتَّى من الناحية الجماليَّة، فضلاً عن عدم المنفِّرات التي تنافي الغرض من البعثة، كلُّ ذلك حتَّى يكون لكلامهم ووعظهم وإرشادهم الأثر الكبير عند الناس، كما هو واضح.

قال السيد صادق الروحانيّ (طاب ثراه) في جواب سؤال هذا نصُّه: (هل يجب أنْ يكون المعصوم (عليه السلام) كاملاً حتَّى من الناحية الشكليَّة والجسمانيَّة، بحيث يكون أجمل أهل زمانه؟ أم يكفي خلوَّه من المنفِّرات فقط؟ قال (طاب ثراه): باسمه جلَّت أسماؤه: غايةُ ما دلَّ عليه الدليل العقليّ هو لزوم خلو المعصوم (عليه السلام) عن المنفِّرات الجسديَّة وغيرها، وأمَّا لزوم كونه أجمل البشر في سيمائه وقسماته، فهو وإنْ لم يقتضه البرهان العقليّ، ولكنَّ الأدلَّة النقليَّة لا تخلو عن الإشارة إلى أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) كان لهم من الهيبة والبهاء والسيماء ما ليس لغيرهم من جميع الخلق) [أجوبة المسائل ج1 ص79].

فتحصَّل إلى الآن أنَّ الأنبياء وكذا الأوصياء (عليهم السلام) منزَّهون عن جميع المنفِّرات مهما كان حجمها تماشياً مع الغرض المبعوثين من أجله، وهو الهداية، بل وهم الأفضل في كلِّ شيءٍ، كما هو المستفاد من مجموع النصوص الدينيَّة. نعم، ليس من ذلك المرض الذي يصابون به أو الظلم الذي يقع عليهم من قبل الأعداء والمجرمين، لكونه خارجاً عما هو منفِّر منهم، بل هو لون من ألوان رفع الدرجات لهم، كما ويُعدُّ نوعاً من أنواع دفع الغلو فيهم.

قال العلَّامة المازندرانيّ (طاب ثراه) في بيان قوله (عليه السلام): «إنَّ أشدَّ الناس بلاء الأنبياء، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الأمثل فالأمثل». ما نصُّه: (في هذا الحديث وغيره من الأحاديث المتكثِّرة من طرق الخاصَّة والعامَّة دلالةٌ واضحة على أنَّ الأنبياء في الأمراض الحسيَّة والبلايا الجسميَّة كغيرهم، بل هم أولى بها من الغير، تعظيماً لأجرهم الذي يُوجب التفاضل في الدرجات، ولا يقدح ذلك في رتبتهم. بل هو تثبيت لأمرهم وأنَّهم بشرٌ، إذْ لو لم يصبهم ما أصاب البشر مع ما يظهر من أيديهم من خرق العادة لقيل فيهم ما قالت النصارى في نبيهم ...) [شرح أصول الكافي ج9 ص206].

بقي شيء:

لو قال قائلٌ: كيف يتمُّ كلامكم هذا، وقد صرَّح القرآن الكريم بأنَّ نبيّ الله موسى (عليه السلام) كان مُبتلىً بعقدة في لسانه تمنعه من النطق بسلاسة، مما يُعدُّ عيباً ظاهراً فيه، وكذلك نبيّ الله أيوب (عليه السلام) الذي تنفَّر الناس عنه من شدَّة المرض المبتلى به؟

وللجواب عن ذلك نقول: إنَّ الآية المشار إليها في شأن موسى (عليه السلام) ليست صريحةً في وجود خللٍ في لسانه، وإنَّما فهم ذلك جرَّاء رواية الجمرة التي أكلها في محضر فرعون، والحال أنَّنا لا نقبل بها لمخالفتها العقيدة الحقَّة من تنزيه الأنبياء مُطلقاً، على أنَّه قد ورد في عِلل الشرائع في قول موسى (عليه السلام): ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾، قال: «إنِّي أستحيي أنْ أكلِّم بلساني الذي كلَّمتك به غيرك، فيمنعني حيائي منك عن محاورة غيرك، فصارتْ هذه الحال عُقدة على لساني، فأحللها بفضلك. ﴿ وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ﴾، معناه: أنَّه سأل الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يأذن له في أنْ يُعبِّر عنه هارون، فلا يحتاج أنْ يكلِّم فرعون بلسان كلَّم الله (عزَّ وجلَّ) به» [يُنظر: علل الشرائع ج1 ص67].

وأمَّا نبيّ الله أيوب (عليه السلام)، فلم يكن المرض المبتلى به منفِّراً كما قيل، وإنَّما كان السبب في تركه والإعراض عنه هو فقره في أعين الناس. فقد روى الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه (عليهم السلام) قال: «إنَّ أيوب (عليه السلام) اُبتلي من غير ذنب، وإنَّ الأنبياء لا يذنبون، لأنَّهم معصومون مطهَّرون، لا يذنبون ولا يزيغون ولا يرتكبون ذنباً، صغيراً ولا كبيراً ... إلى قوله (عليه السلام): إنَّ أيوب (عليه السلام) مع جميع ما اُبتلي به لم ينتن له رائحة، ولا قبحت له صورة، ولا خرجت منه مدَّة من دم ولا قيح، ولا استقذره أحدٌ رآه، ولا استوحش منه أحد شاهده، ولا يدود شيء من جسده، وهكذا يصنع الله (عزَّ وجلَّ) بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه، وإنَّما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر أمره، لجهلهم بماله عند ربه تعالى ذكره من التأييد والفرج... إلى قوله (عليه السلام): وإنَّما ابتلاه الله (عزَّ وجلَّ) بالبلاء العظيم الذي يهون معه على جميع الناس، لئلَّا يدعوا له الربوبيَّة» [الخِصال ص399].

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام) يجب أنْ يكونوا سالمين من العاهات والتشوُّهات مطلقاً لما ذكرناه.

والحمد لله ربِّ العالمين.