هل أصحاب الرقيم هم أصحاب الكهف؟

السؤال: يقول الله تعالى {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا}، أصحاب الكهف عرفناهم، لكن من هم أهل الرقيم؟ هل هم أصحاب الكهف؟ وما هو الرقيم الذي ينسبون إليه؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم – أيدك الله – أنَّ المعروف بين المفسّرين أنَّ أصحاب الرقيم هم أصحابُ الكهف أنفسهم.

وأمَّا الوجه في تسميتهم بذلك:

فقيل: إنَّ قصَّتهم كانت منقوشةً في لوحٍ منصوبٍ هناك، أو محفوظٍ في خزانة الملوك فبذلك سموا أصحاب الرقيم.

وقيل: إنَّ الرقيم اسم الجبل الذي فيه الكهف، أو الوادي الذي فيه الجبل، أو البلد الذي خرجوا منه إلى الكهف.

قال عليّ بن إبراهيم القمّيّ: (هم فتيةٌ كانوا في الفترة بين عيسى ابن مريم ومحمّد (ص)، وأمَّا الرقيم فهما لوحان من نحاسٍ مرقومٍ، أي مكتوبٌ فيهما أمر الفتية وأمر إسلامهم، وما أراد منهم دقيانوس الملك، وكيف كان أمرهم وحالهم) [تفسير القمّيّ ج2 ص32].

روى العيَّاشيّ عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا} قال (عليه السلام): «هم قومٌ فرَّوا، وكتب ملكُ ذلك الزمان بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم في صُحفٍ من رصاص، فهو قوله: {أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ}» [تفسير العيَّاشيّ ج2 ص321].

وروى القمّيّ بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): «كان سببُ نزولها -يعني سورة الكهف – أنَّ قريشاً بعثوا... فلمَّا كان بعد أربعين يوماً نزل عليه بسورة الكهف فقال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): يا جبرئيل لقد أبطأتَ؟ فقال: إنَّا لا نقدرُ أنْ ننزلَ إلَّا بإذن الله، فأنزل: {أَمْ حَسِبْتَ} يا محمّد {أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا}، ثمَّ قصَّ قصَّتهم، فقال: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إلى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}، فقال الصادق (عليه السلام): إنَّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا في زمن ملِكٍ جبار عاتٍ، وكان يدعو أهلَ مملكته إلى عبادة الأصنام فمن لم يُجبه قتله، وكان هؤلاء قوماً مؤمنين يعبدون الله عزَّ وجل ووكَّل الملك بباب المدينة..» [تفسير القمّيّ ج2 ص32].

أقول: وهناك رأيٌ آخر ورد في بعض المصادر: أنَّ أصحاب الرقيم كانوا غير أصحاب الكهف، وهم ثلاثة فتيانٍ دخلوا غاراً وانسدّ عليهم، لكن الله سبحانه وتعالى فتح لهم باب الكهف وأنقذهم من الموت المحتم، وذلك جزاءً لإيمانهم وإخلاصهم له.

روى أحمد بن حنبل بالإسناد عن النعمان بن بشير: «أنَّه سمع رسول الله (ص) يذكر الرقيم، فقال: إنَّ ثلاثةً كانوا في كهف، فوقع الجبل على باب الكهف، فأوصد عليهم...» [مسند أحمد ج4 ص274].

ويلاحظ عليه: أنَّ أصل القصَّة مرويٌّ من طرق العامَّة في الصحيحين وغيرهما، من طريق ابن عمر وغيره، كما أنَّها مرويَّةٌ من طرق الخاصَّة في محاسن البرقيّ أيضاً، ولكن لم يُذكر فيها أنَّهم (أصحاب الرقيم)، وقد انفردت رواية النعمان بن بشير بربط قصَّة أولئك الثلاثة بـ(الرقيم)، كما أنَّ كلمة (الرقيم) فيها مجملة؛ إذ لم تصرّح روايته أنَّ النبيَّ (ص) كان ناظراً إلى قوله: {أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ}، فلعلَّ ذكر الرقيم من باب الإشارة لشيءٍ آخر، لا أنَّه في صدد تفسير الآية الكريمة والتفريق بين (أصحاب الكهف) و(أصحاب الرقيم)؛ ولهذا نجد كبار المفسّرين القدماء، كالطبريّ من العامَّة، والطوسيّ من الخاصَّة، لم يذكروا أنَّ أصحاب الرقيم غير أصحاب الكهف كقولٍ من الأقوال، وإنَّما ذكر ذلك المتأخّرون كقولٍ من الأقوال في تفسير كلمة (الرقيم) وأنَّ الدليل هو رواية النعمان، ولكن لم يُعلَم بشكلٍ واضحٍ القائل بهذا القول.

ثمَّ إنَّ العلَّامة الطباطبائيّ استبعد هذا القول قائلاً: (وهو بعيد جدّاً، فما كان الله ليشير في بليغ كلامه إلى قصَّة طائفتين ثمَّ يفصل القول في إحدى القصَّتين ولا يتعرّض للأخرى لا إجمالاً ولا تفصيلاً. على أنَّ ما أوردوه من قصَّة أصحاب الرقيم لا يلائم السياق السابق المستدعي لذكر قصَّة أصحاب الكهف. وقد تبيَّن ممَّا تقدَّم في وجه اتّصال القصَّة: أنَّ معنى الآية: بل ظننت أنَّ أصحاب الكهف والرقيم -وقد أنامهم الله مئات من السنين ثمَّ أيقظهم فحسبوا أنَّهم لبثوا يوماً أو بعض يوم -كانوا من آياتنا آية عجيبة كلَّ العجب؟ لا وليسوا بعجبٍ، وما يجري على عامَّة الإنسان من افتتانه بزينة الأرض وغفلته عن أمر المعاد ثمَّ بعثه وهو يستقلّ اللبث في الدنيا آية جارية تضاهي آية الكهف) [تفسير الميزان ج13 ص131].

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.