حرمة السجود لغير الله عند الشيعة
السؤال: روي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) في حديثٍ طويل: «إنَّ زنديقاً قال له: أيصلح السجود لغير الله؟ قال: لا. قال: فكيف أمر الله الملائكة بالسجود لآدم؟ فقال: إنَّ من سجد بأمر الله فقد سجد لله، فكان سجوده لله إذا كان من أمر الله». ويقول المرتضى: (إنَّ السجود لآدميّ تذللاً وخضوعاً يكون كفراً). ويقول الجواهريّ في كتابه جواهر الكلام: (...إلى غير ذلك من الأحكام المتعلِّقة بالسجود في غير مقام، كالنهي عن السجود لغير الله). ويقول الخوئيّ في منهاجه: (يحرم السجود لغير الله تعالى، من دون فرق بين المعصومين (عليهم السلام) وغيرهم، وما يفعله الشيعة في مشاهد الأئمَّة (عليهم السلام) لابدَّ أنْ يكون لله تعالى شكراً على توفيقهم لزيارتهم)، وغيرها. فهل عرفتم أنَّ الشيعة لا يتَّبعون القرآن ولا السنَّة ولا العترة؛ لأنَّهم رغم ذلك كلِّه يخالفون ويسجدون لغير الله، فيتَّبعون ما يمليه عليهم الهوى والشيطان، وكذلك يتَّبعون كلَّ ما يخالف العامَّة. أي: كلّ ما يخالف أهل السنَّة المتَّبعين للقرآن والسنَّة، والمقتدين بأهل البيت (عليهم السلام). يُرجى الجواب عن هذا الكلام؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى أنَّ ما ذُكر في السؤال ينطوي على خلطٍ واضحٍ بين السجود كعبادةٍ لله تعالى، وبين الخضوع والتأدُّب غير العباديّ، كما يتضمَّن السؤال هذا تعميماً غير صحيحٍ على مذهبٍ بأكمله، بسبب ممارساتٍ فرديَّةٍ أو سوء فهمٍ لبعض الأفعال أو لبعض العقد والأحقاد، كما هو بيِّن.
وعلى أي حال، يُمكن التعليق على هذا الكلام بجملة أمورٍ:
الأمر الأوَّل: الظاهر من هذا الكلام أنَّ القائل يعتقد بأنَّ روايات أهل البيت (عليهم السلام)، وكذلك كلمات الأعلام وفتاوى الفقهاء، تدلُّ على حرمة السجود لغير الله تعالى مهما كان ذلك الغير ومهما كان منصبه؛ وذلك لأنَّ السجود منحصرٌ بالله وحده.
وهذا هو الحق الذي يعتقد به أتباع أهل البيت تبعاً لأئمَّتهم (عليهم السلام)، كما نقله السائل عن كبار علماء الإماميَّة، أمثال السيِّد المرتضى، وصاحب الجواهر، والسيِّد الخوئيّ، وغيرهم من أعلام الفرقة المحقَّة.
وبناءً على ذلك، يتَّضح أنَّ الموقف الشرعيّ عند الشيعة (أعزَّهم الله تعالى) هو تحريم السجود لغير الله تعالى مهما كان ذلك الغير إجماعاً وقولاً واحداً، ومنه يتَّضح أنَّ موقفهم الشرعيّ تجاه هذه المسألة هو التحريم بضرسٍ قاطعٍ.
الأمر الثاني: إنَّ ما يُشاهَد في بعض المشاهد المشرَّفة والأضرحة المقدَّسة من وضع الجبهة على الأرض ليس سجوداً للأئمَّة (عليهم السلام)، ولا يقصد به العبادة لهم، وإنَّما هو سجودٌ لله تعالى شكراً على نعمة التوفيق للزيارة، أو تعبيرٌ عن الخضوع والتأدُّب مع المعصوم (عليه السلام)، وقد صرَّح الفقهاء بذلك وأكَّدوا عليه بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ، منعاً من توهُّم الغير أنَّ الشيعة يسجدون للمعصوم (عليه السلام)، كما نقله السائل نفسه. وعليه، فكيف يصح القول بأنَّ الشيعة يخالفون ذلك، والحال أنَّ تحريم هذا الأمر من الواضحات والبديهيَّات عندهم؟! بل يُمكن لكلِّ مُنصِفٍ أنْ يحضر تلك البقاع المطهَّرة ليرى ذلك بنفسه.
الأمر الثالث: لو تنازلنا وسلَّمنا ـ جدلاً ـ بأنَّ بعض الأفراد يخطئون في الفهم أو التطبيق، فهل يصح نسبة ذلك إلى الشيعة كافَّة؟ فهل يصح أنْ ننسب بعض أخطاء المسلمين من أهل العامَّة إلى جميع المسلمين؟ أم إنَّ الميزان الصحيح هو النظر إلى ما قرَّره العلماء عندهم تبعاً للدليل الصحيح من القرآن والسنَّة؟
إنَّ مقتضى الإنصاف أنْ لا نُحمِّل مذهباً كاملاً، أو ديناً كاملاً أخطاء بعض أفراده إنْ وجدت، وإنَّما الصحيح في ذلك هو النظر إلى ما قاله جمهور الأعلام منهم، وما سار عليه غالبيَّة الأتباع عندهم، وليس بعض الأفراد، كما هو واضح.
بقي شيءٌ:
إنَّ قول السائل بأنَّ الشيعة «يخالفون القرآن والسنَّة والعترة ويتبعون الهوى والشيطان» كلامٌ إنشائيٌّ لا قيمة علميَّة له، بل ويصطدم مباشرةً مع التراث العقائديّ والفقهيّ الضخم الذي يصرِّح بعكس ذلك، كما نقله السائل نفسه! بل إنَّ التزام الشيعة (أعزَّهم الله تعالى) بفتاوى علمائهم في تحريم السجود لغير الله هو أوضح شاهدٍ على اتباعهم للقرآن والعترة، وليس العكس، كما يدَّعي السائل.
قال السيِّد الخوئيّ (طاب ثراه): (وكيف كان، فلا ريب في هذا الحكم، وأنَّه لا يجوز السجود لنبيٍّ أو وصيٍّ فضلاً عن غيرهما.
وأمَّا ما يُنسب إلى الشيعة الإماميَّة من أنَّهم يسجدون لقبور أئمَّتهم، فهو بهتانٌ محض، ولسوف يجمع الله بينهم وبين من افترى عليهم، وهو أحكم الحاكمين.
ولقد أفرط بعضهم في الفرية، فنسب إليهم ما هو أدهى وأمض، وادَّعى أنَّهم يأخذون التراب من قبور أئمَّتهم، فيسجدون له! سبحانك اللهم هذا بهتانٌ عظيم! وهذه كتب الشيعة قديمها وحديثها، مطبوعها ومخطوطها، وهي منتشرةٌ في أرجاء العالم متَّفقة على تحريم السجود لغير الله، فمن نسب إليهم جواز السجود للتربة، فهو إمَّا مفترٍ يتعمَّد البهت عليهم، وإمَّا غافل لا يفرِّق بين السجود لشيءٍ والسجود عليه.
والشيعة يعتبرون في سجود الصلاة أنْ يكون على أجزاء الأرض الأصليَّة، من حجرٍ أو مدرٍ أو رملٍ أو تراب، أو على نبات الأرض غير المأكول والملبوس، ويرون أنَّ السجود على التراب أفضل من السجود على غيره، كما أنَّ السجود على التربة الحسينيَّة أفضل من السجود على غيرها. وفي كلِّ ذلك اتبعوا أئمَّة مذهبهم الأوصياء المعصومين. ومع ذلك، كيف تصح نسبة الشرك إليهم وأنَّهم يسجدون لغير الله!) [البيان في تفسير القرآن ص472].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ الشيعة الإماميَّة ـ عملاً وعقيدةً ـ يرون حرمة السجود لغير الله تعالى مهما كان ذلك الغير، ومهما كان شأنه. وأمَّا ما أُثير عليهم من شبهاتٍ في هذا المجال فهو ناشئٌ إمَّا من جهلٍ أو من العُقد والأحقاد ضد أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، كما هو واضح .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق