هل تحريم الربا ضد حركة رأس المال؟
السؤال: محاربة البنوك الربويَّة ومنع القروض بفكرة “الربا حرام”، بينما نفس المجتمع ينهار اقتصادياً لأن رأس المال لا يتحرك، النتيجة: يلجؤون للتحايل الشرعيّ — “قرض إسلاميّ بنفس الفائدة لكن باسم مختلف”. العلمانيَّة هنا تضحك من التناقض: رفض الفكرة بالاسم وقبولها بالفعل، بينما العلم الاقتصاديّ يشتغل على واقع الأرقام لا على لفظ “حلال/حرام”.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يقوم هذا الادّعاء على خلطٍ واضحٍ بين مستوى القيم ومستوى الأدوات، وبين نقد التطبيق ونقض الفكرة، وهو خلطٌ شائعٌ في الخطاب العلمانيّ حين يتناول الأحكام الدينيَّة من زاويةٍ نفعيَّةٍ صِرفةٍ، تتعامل مع النتائج الآنيَّة دون الالتفات إلى البنية العميقة للنظام الاقتصاديّ.
فالقول إنَّ تحريم الربا يجمّد رأس المال ويقود إلى انهيارٍ اقتصاديّ، يفترض سلفاً أنَّ الربا هو المحرّك الطبيعيّ الوحيد للاقتصاد، وأنَّ المال لا يتحرك إلا إذا أُقرض بفائدةٍ مضمونةٍ.
وهذا الافتراض ليس حقيقةً علميَّةً، بل اختيارٌ أيديولوجيّ تبنّته الرأسماليَّة الحديثة بعد مسارٍ تاريخيّ طويلٍ، وهو نفسه موضع نقدٍ واسعٍ داخل علم الاقتصاد المعاصر، حتى في أكثر البيئات علمانيَّةً.
فالأزمات الماليَّة الكبرى لم تنشأ من غياب الفائدة، بل من تضخمها، وتراكم الديون، وتحويل المال من أداةٍ في خدمة الإنتاج إلى سلعةٍ مستقلةٍ عن الاقتصاد الحقيقيّ.
أما الربا في الرؤية الإسلاميَّة، فليس تحريماً لفظيّاً ولا حساسيةً أخلاقيَّةً تجاه «اسم الفائدة»، بل موقفٌ مبدئيّ من نمطٍ معيّنٍ من تحريك المال؛ نمطٌ يضمن الربح لطرفٍ واحدٍ مهما كانت النتائج، ويحمّل الخسارة لطرفٍ آخر مهما كانت الظروف. وهذا النمط لا يُدان لأنه «غير دينيّ»، بل لأنه غير عادلٍ بنيويّاً، ويؤدي بطبيعته إلى تركّز الثروة، وتوسّع الفجوة الاجتماعيَّة، وربط الاقتصاد بالديون لا بالإنتاج.
ولا تخرج التجارب الإسلاميَّة المعاصرة عن دائرة النقد إذا انحرفت في التطبيق؛ فوجود تحايلٍ شرعيّ أو نماذج مصرفيَّة فاشلة لا يعني أنَّ تحريم الربا فاشلٌ، تماماً كما أنَّ وجود فسادٍ ضريبيّ لا يُبطل فكرة الضرائب، ووجود تلاعبٍ في الأسواق لا يُبطل علم الاقتصاد نفسه.
النقد المنهجيّ هنا يجب أن يُوجَّه إلى تحويل المقاصد إلى قوالب شكليَّةٍ، لا إلى المقاصد ذاتها.
فالاقتصاد الإسلاميّ، في جوهره، لا يعادي حركة رأس المال، بل يعادي تحريكه بلا مخاطرةٍ، وبلا مسؤوليَّةٍ، وبلا ارتباطٍ بالإنتاج الحقيقيّ. وهو يفتح بدائل واضحةً تقوم على الشراكة والمضاربة والاستثمار وتقاسم الربح والخسارة، فإذا عجزت بعض المجتمعات عن بناء هذه البدائل، فذلك فشلٌ مؤسسيّ وتاريخيّ في الإدارة والتنفيذ، لا دليلٌ على تهافت المبدأ نفسه. أما السخرية العمانيَّة من «التناقض»، فهي في حقيقتها سخريةٌ من صورةٍ مشوّهةٍ للدين، لا من الدين ذاته.
فالمشكلة الأساس ليست في كلمة «حرام» التي يعبّر بها الدين عن موقفه القيميّ، وإنّما في السؤال المشترك الذي يواجه الجميع: كيف نُنشئ نظاماً اقتصادياً يكون أخلاقياً وفعّالاً في آنٍ واحدٍ؟
وهو سؤالٌ لم تُجب عنه الرأسماليَّة نفسها حتى اليوم، بدليل تكرار الأزمات، واتّساع رقعة الفقر، وهيمنة المال الماليّ على الاقتصاد الحقيقيّ.
وفي المحصلة، حُرِّم الربا لأنّه بنيةٌ اقتصاديَّةٌ ظالمةٌ، وإذا فشلنا في بناء البديل العادل، فإنَّ هذا الفشل لا يجعل الظلم علماً، ولا يحوّل التحايل إلى حجّةٍ، ولا يجعل السخرية برهاناً.
اترك تعليق