مصير المعتقد بالله من دون عمل
السؤال: ما هو مصير المعتقد بالله سبحانه من دون أنْ يكون له عمل؟ هل هو مرجئٌ لأمر الله تعالى فيه؟ لأنَّ الآية تقول: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ} ولا علم لنا بتعلّق المشيئة بالمعتقد غير العامل، فالأمر لله سبحانه، أم أنّ مصيره النار إلّا أنّه لا يخلد فيها بسبب اعتقاده؟ أم أمرٌ ثالث؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
لا بدّ أوّلاً أنْ ننتبه إلى أنَّ السؤال يفترض لـ «المعتقد بالله بلا عمل» عنواناً واحداً ومصيراً ثابتاً، في حين أنَّ لهذا العنوان عشرات الحالات المختلفة في الداخل:
فقد يكون مؤمناً ضعيف الإرادة، أو غافلاً، أو مغلوباً على نفسه، أو مستخفّاً، أو متردّداً، أو لم تكتمل عنده الحجّة، أو عرف ولم يستجب… وهذه الفروق ليست تفصيلاتٍ جانبيّةً، بل هي التي تصنع المصير نفسه، ولهذا لم يعطِ القرآن جواباً واحداً جاهزاً، بل وضع الإنسان في مجالٍ بين العدل والرحمة، لا في خانةٍ قانونيّةٍ مغلقةٍ.
فالقرآن حسم شيئاً واحداً فقط: أنَّ الإيمان بالله يمنع مساواة صاحبه بالمُنْكِر؛ لأنَّ المُنْكِر قطع أصل العلاقة، أمّا هذا فقد أقرَّ بها ولو لم يلتزم مقتضاها. {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48].
وقد حسم القرآن أيضاً بأنَّ النجاة الأخرويّ من النار ودخول الجنّة منوط بالاعتقاد والعمل بمقتضى ما أمر الله تعالى، {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7-8]، وقوله: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا} [مريم: 63].
وضمن هذا العنوان تندرج كثيرٌ من العناوين مثل عنوان القاصر والمقصّر، {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، فالمؤمن بالله ولم يبلغه التشريع أو كان قاصراً تشمله الآية: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48].
أمّا مَن بلغه الدّين وأُقيمت عليه الحجّة وانتفت عنه الأعذار ثمّ تمرّد ولم يعمل، فلا تشمله آية الغفران، يقول تعالى: {فأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ} [النازعات: 37ـ41].
أما قوله: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} [التوبة: 106]، فيؤسس لعنوانٍ آخر غير عنوان «المعتقد بدون عمل»، والدليل على ذلك: الآية التي قبلها وهي قوله: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَستُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105]، فالأصل في الجزاء يوم القيامة بحسب الآية هو العمل، وهذا عامّ لجميع البشر، ثم جاء بعدها قوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم}، و(الآخرون) هنا يجب أنْ يكونوا خلاف الحالة العامّة من البشر، مثل المستضعف والأبله والكبير الفاني.
سُئِلَ الإمام الباقر (عليه السلام) عن المستضعفين، فقال (عليه السلام): «البلهاء في خدرها، والخادمة تقول لها: صلّي، فتصلّي، لا تدري إلّا ما قلتَ لها، والجليب الذي لا يدري إلّا ما قلتَ له، والكبير الفاني، والصبيّ الصغير، هؤلاء المستضعفون، فأمّا رجل شديد العنق، جدل خصم، يتولّى الشراء والبيع، لا تستطيع أنْ تغبنه في شيء، تقول: هذا مستضعفٌ؟ لا، ولا كرامة» [معاني الأخبار ص203].
اترك تعليق