هل نساء النبي (ص) أفضل من الزهراء (ع)؟
السؤال: يقول الله تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَستُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيتُنَّ﴾ [الأحزاب: 32]. تفيد الآية المباركة أنَّ زوجات النبيّ أفضل من باقي النساء مع التقوى، وبما أنَّ الزهراء ليست من نساء النبيّ بل هي من بناته، فتكون زوجة النبيّ التقيّة أفضل من باقي النساء جميعاً، ولم يرد هناك استثناءٌ؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
يُقرّر السائل بقوله المتقدِّم أنَّ الآية المباركة في صدد بيان تفضيل أزواج النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) على جميع النساء بشرط التقوى، وبما أنَّ الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) غير داخلةٍ في الآية المباركة، فتكون نساؤه المتقيات أفضل منها.
وللجواب عن هذا السؤال نتكلَّم في جملة أمورٍ:
الأمر الأوَّل: الآية مشروطةٌ بالتقوى:
الظاهر من تصريح جمعٍ من العلماء: أنَّ الآية المباركة في صدد بيان فضلهنّ على سائر النساء، ولكنَّ ذلك مشروطٌ بالتقوى. ومن المعلوم أنَّ جملةً من نساء النبيّ لم يكنَّ كذلك؛ وذلك لمخالفتهنّ أمر الله تعالى ورسوله، كالإقرار في البيوت.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ الشرط الأساس في تحقّق هذا الفضل هو التقوى وعدم مخالفة أوامر الله ورسوله، والحال أنَّ هذا الوصف ـ التقوى ـ لا ينطبق على جميع النساء، كما هو غنيٌّ عن البيان.
1ـ قال الشيخ الطوسيّ: (ثمَّ قال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾، إنما قال كأحدٍ ولم يقل كواحدةٍ، لأنَّ (أحداً) نفيٌ عامٌّ للمذكَّر والمؤنَّث، والواحد والجماعة؛ أي لا يشبهكنّ أحدٌ من النساء في جلالة القدر وعظم المنزلة ولمكانكنّ من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بشرط أنْ تتقين عقاب الله باجتناب معاصيه، وامتثال أوامره. وإنما شرط ذلك بالاتقاء لئلَّا يعولنَّ على ذلك، فيرتكبن المعاصي، ولولا الشرط كان يكون إغراءً لهنَّ بالمعاصي، وذلك لا يجوز على الله تعالى) [تفسير التبيان ج8 ص338].
2ـ وقال القرطبيّ: (﴿إِنِ اتَّقَيتُنَّ﴾، أي خفتن الله. فبيَّن أنَّ الفضيلة إنّما تتم لهنَّ بشرط التقوى، لما منحهنّ الله من صحبة الرسول، وعظيم المحلّ منه) [تفسير القرطبيّ ج14 ص177].
إلى غيرهما من كلمات المفسِّرين في هذه الآية.
فتحصَّل: أنَّ الفضل المذكور مشروطٌ بشرطٍ مهمٍّ، وهو تقوى الله تعالى وعدم مخالفة أوامره، الأمر الذي لا يشمل جميع نسائه (صلَّى الله عليه وآله)، كما هو واضحٌ عند أهل العلم والمعرفة.
الأمر الثاني: جواز تخصيص الكتاب العزيز:
ذهب جمعٌ من علماء العامَّة إلى جواز تخصيص الكتاب الكريم بالسنّة المطهَّرة من دون تفصيلٍ، بينما فصَّل بعضٌ منهم بالخبر المتواتر والآحاد، أو الآحاد المجمع على العمل به دون غيره، ممّا لا يؤثِّر كثيراً على أصل جواز التخصيص، كما هو واضحٌ.
قال أبو الحسين البصريّ: (أمَّا تخصيص الكتاب بالسنّة، فجائزٌ. كما يجوز أنْ تدلنا السنّة على غير ذلك من الأحكام. وقد خصَّ النبيُّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) بقوله: «لا يرث القاتل ولا يتوارث أهل ملَّتين» قولَ الله سبحانه: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾[النساء:11]) [المعتمد في أصول الفقه ج1 ص255]. وانظر أيضاً كتاب [الحاوي الكبير للماورديّ ج16 ص59، وقواطع الأدلَّة في الأصول للسمعانيّ ج1 ص185]، وغيرهما من كتب أصول الفقه عند العامَّة.
وبناءً على هذا، فإنَّ الآية المذكورة مخصَّصةٌ بالسنّة القطعيّة الدالَّة على تفضيل الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) على نساء النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، كما سيأتي في الأمر الثالث إنْ شاء الله تعالى.
الأمر الثالث: أفضليّة الزهراء (ع):
لا يخفى أنَّ ما دلَّ على أفضليّة الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) على جميع أزواج النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يكون مخصِّصاً للآية المباركة بشكلٍ واضحٍ، نذكر بعضاً من ذلك، رعايةً لطلب الاختصار:
أوَّلاً: آية التطهير، فإنها تدلُّ بشكلٍ واضحٍ على عصمة وطهارة السيدة الزهراء (عليها السلام)، ومن العلوم أنَّ من ثبتت عصمته فهو أفضل من غيره. وقد صرَّح الكثير من العلماء بأنَّ الزهراء (عليها السلام) أحد أفراد الآية المباركة، كما هو واضحٌ [يُنظر: مصنَّف ابن أبي شيبة ج6 ص370، مسند إسحاق بن راهويه ج3 ص678، صحيح مُسلم ج7 ص130، الشريعة للآجري ج5 ص2206، السنن الكبرى للبيهقيّ ج2 ص213]، وغيرها من المصادر عند العامَّة.
وثانياً: آية المباهلة، فإنها تدلُّ ـ أيضاً ـ على أفضليّة الزهراء (عليها السلام) على غيرها من النساء؛ لأنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بأهل النصارى بأحبِّ الخلق إليه وأفضلهم لديه، وهو ما فهمه أسقف نجران أيضاً حيث قال: «يا معشر النصارى، إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أنْ يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيٌّ إلى يوم القيامة» [يُنظر: تفسير الثعلبيّ ج3 ص 85، التفسير الوسيط للواحديّ ج1 ص444، تفسير الرازيّ ج8 ص247]، وغيرها من التفاسير الكثيرة.
كما فهم هذا التفضيل من الآية جمعٌ من العلماء، منهم: الزمخشريّ، حيث قال ما هذا لفظه: (وفيه دليلٌ ـ لا شيء أقوى منه ـ على فضل أصحاب الكساء (عليهم السلام)) [تفسير الكشاف ج1 ص369].
وقال محمَّد صدّيق خان البخاريّ: (والآية دليلٌ على فضل أصحاب الكساء وفضل مَن أتى منهم من أهل بيته، وهم عليّ والحسن والحسين وفاطمة (رضي الله عنهم)، وفيها أنَّ أبناء البنات يسمون أبناءً، وإنما خصَّ الأبناء والنساء، لأنّهم أعزُّ الأهل) [حُسْن الأسوة ص62].
وثالثاً: حديث البضعة، فإنّه يدلُّ بوضوحٍ على أنَّ فاطمة (عليها السلام) جزءٌ من النبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، وهذا المعنى يكشف عن سموِّ منزلتها وعلوِّ مقامها، بما يقتضي تفضيلها على سائر النساء، وقد صرَّح بهذا المضمون جمعٌ من علماء العامَّة، نذكر بعضاً على سبيل المثال:
1ـ قال ابن الحاجّ المالكيّ في بعض مناقب الزهراء (عليها السلام): (وليس ثمَّ منزلةٌ أعظم من منزلته (عليه الصلاة والسلام) ثمَّ منزلتها بعده؛ لقوله (عليه الصلاة والسلام) في حقها: «فاطمة بضعةٌ مني يريبني ما رابها»، وقوله (عليه الصلاة والسلام) في حقها: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة»، وإذا كانت بهذه المزية وأنها بضعةٌ منه فيجب ترفيعها وتعظيمها) [المدخل ج1 ص171].
2ـ وقال أبو حيان الأندلسيّ: (قال بعض شيوخنا: والذي رأيت ممن اجتمعت عليه من العلماء، أنهم ينقلون عن أشياخهم: أنَّ فاطمة أفضل النساء المتقدِّمات والمتأخِّرات، لأنها بضعةٌ من رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)) [البحر المحيط ج3 ص147]. وانظر كتاب [الكوثر الجاري لأحمد بن إسماعيل الحنفيّ ج10 ص46]، وغيره من مصادر أهل العامَّة.
ويمكن مراجعة جواب سابق منشور بعنوان: (دلالات حديث: «فاطمة بضعة مني»).
ورابعاً: الروايات الخاصّة، إذْ هي صريحةٌ وواضحةٌ في تفضيل الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) على غيرها من النساء، نذكر جملةً منها:
1ـ فقد روي بالإسناد عن مسروق، عن عائشة قالت: «كنا عند رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) في مرضه الذي مات فيه، ما يغادر منا واحدةٌ، إذْ جاءت فاطمة تمشي، ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) شيئاً، فلما رآها قال: مرحباً بابنتي، فأقعدها عن يمينه ... ثمَّ قال: يا فاطمة، أما ترضين أنْ تكوني سيدة نساء العالمين، أو سيدة نساء هذه الأمَّة» [مسند أبي داوود ج3 ص217، مسند أحمد ج44 ص9، صحيح البخاريّ ج8 ص64، صحيح مُسلم ج7 ص143]، وغيرها من المصادر الكثيرة عند العامَّة.
2ـ وروي بالإسناد عن حذيفة، أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال: «هذا ملكٌ من الملائكة استأذن ربَّه ليسلِّم عليَّ وليزورني، لم يهبط إلى الأرض قبلها، وبشَّرني أنَّ حسناً وحسيناً سيدا شباب أهل الجنّة، وأمّهما سيدة نساء أهل الجنّة» [يُنظر: المعجم الكبير ج22 ص402، تدريب الراوي ج2 ص686، سبل الهدى ج11 ص162، شرح البخاريّ للسفيريّ ج1 ص163، جمع الوسائل ج1 ص220]، وغيرها من المصادر الكثيرة عند العامَّة.
3ـ وروي بالإسناد عن أبي عبد الله الحسين بن عليّ (عليهما السلام) قال: «لما قبضت فاطمة (عليها السلام) دفنها أمير المؤمنين سرّاً وعفَّا على موضع قبرها، ثمَّ قام فحوَّل وجهه إلى قبر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فقال: السلام عليك يا رسول الله عني، والسلام عليك عن ابنتك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك، والمختار الله لها سرعة اللحاق بك، قلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري، وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلُّدي» [الكافي ج1 ص458].
4ـ وروي بالإسناد عن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) عن جدِّه (صلَّى الله عليه وآله) قال: «الحسن والحسين خير أهل الأرض بعدي وبعد أبيهما، وأمُّهما أفضل نساء أهل الأرض» [عيون أخبار الرضا ج2 ص ٦٧].
5ـ وروي بالإسناد عن الحسن بن زياد العطَّار قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): «قول رسول الله: فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة، أسيدة نساء عالمها؟ قال: ذاك مريم، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنّة من الأوَّلين والآخرين» [الأمالي للصدوق ص ١٨٧]. إلى غيرها من الروايات الكثيرة عند الخاصَّة.
والنتيجة النهائيّة من جميع ما تقدَّم، أنَّ الآية الكريمة مشروطةٌ بالتقوى وعدم مخالفة الأوامر الإلهيّة الأمر الذي لا يشمل جميع نسائه (صلَّى الله عليه وآله)، ومع الغضِّ عن ذلك، فهي مخصَّصةٌ بأفضليّة الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) عليهنَّ كافّةً، كما صار واضحاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق