إمامة الإمام موسى الكاظم (ع)
السؤال: ما هو الدليل على إمامة الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرنا في جوابٍ سابقٍ تحت عنوان (تواتر النصوص على الأئمَّة الاثني عشر) أنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين، وقد أشرنا إلى ذكر جملةٍ كبيرةٍ من كتب الأعلام والمحقِّقين الناقلة لتلك الأخبار ممَّا تجعل الباحث المنصِف على درجةٍ عاليةٍ من التصديق والاطمئنان بذلك.
إذا اتَّضح هذا فنقول: إنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الإمام الكاظم (عليه السلام) على أقسامٍ عدَّةٍ يتجاوز مجموعها رتبة التواتر المفيد للعلم واليقين، كما سيتَّضح، نذكر شطراً منها، حذراً من التطويل.
القسم الأوَّل: النصوص العامَّة:
وهي ما رُوي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حقِّ الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) جميعاً، ومنهم الإمام الكاظم (عليه السلام)، وهي كثيرةٌ أيضاً نذكر بعضاً منها. من ذلك:
1ـ ما رواه الشيخ الخزَّاز بسنده إلى الأصبغ بن نباتة، وأبي المقدام المكِّيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى جميعاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «كنتُ عند النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في بيت أم سلمة، إذْ دخل علينا جماعةٌ من أصحابه، منهم سلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعبد الرحمن بن عوف، فقال سلمان: يا رسول الله، إنَّ لكلِّ نبيٍّ وصيَّاً وسبطين فمن وصيُّك وسبطاك؟ ... إلى قوله (صلَّى الله عليه وآله): وأنا أدفعها إليك يا عليّ، وأنت تدفعها إلى ابنك الحسن، والحسن يدفعها إلى أخيه الحسين، والحسين يدفعها إلى ابنه عليّ، وعليّ يدفعها إلى ابنه محمَّد، ومحمَّد يدفعها إلى ابنه جعفر، وجعفر يدفعها إلى ابنه موسى، وموسى يدفعها إلى ابنه عليّ، وعليّ يدفعها إلى ابنه محمَّد، ومحمَّد يدفعها إلى ابنه عليّ، وعليّ يدفعها إلى ابنه الحسن، والحسن يدفعها إلى ابنه القائم، ثمَّ يغيب عنهم إمامهم ما شاء الله، ويكون له غيبتان» [كفاية الأثر ص238].
2ـ وما رواه أيضاً بسنده إلى أبي الجحاف داوود بن أبي عوف، عن الحسن بن عليّ (عليه السلام) قال: سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول لعليّ (عليه السلام): «أنت وارث علمي ومعدن حكمي والإمام بعدي، فإذا استشهدتَ فابنك الحسن، فإذا أُستشهد الحسن فابنك الحسين، فإذا أُستشهد الحسين فعليّ ابنه، يتلوه تسعةٌ من صلب الحسين، أئمَّةٌ أطهار. فقلتُ: يا رسول الله، فما أساميهم؟ قال: عليّ، ومحمَّد، وجعفر، وموسى، وعليّ، ومحمَّد، وعليّ، والحسن، والمهديّ من صلب الحسين، يملأ الله تعالى به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً» [كفاية الأثر ص261].
إلى غيرهما من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى، كما لا يخفى على المطالِع.
القسم الثاني: النصوص الخاصَّة:
وهي ما رُوي من نصِّ أبيه الإمام الصادق (عليه السلام) عليه بالخصوص، نذكر جملةً منها:
1ـ روى الشيخ البرقيّ بسنده إلى أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «حججنا مع أبي عبد الله (عليه السلام) في السنة التي وُلد فيها ولده موسى ... إلى قوله: وقد وهب لي غلاماً وهو خير من برأ الله في خلقه، ولقد أخبرتني حميدة، ظنَّت أني لا أعرفه ... ذكرتْ أنَّه لمَّا سقط من بطنها سقط واضعاً يده على الأرض، رافعاً رأسه إلى السماء، فأخبرتها أنَّ تلك أمارة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأمارة الوصيّ من بعده. فقلتُ: وما هذا من علامة رسول الله وعلامة الوصيّ من بعده؟ فقال: يا أبا محمَّد، إنَّه لمَّا أنْ كانت الليلة التي علقتُ فيها بابني هذا المولود أتاني آتٍ فسقاني كما سقاهم، وأمرني بمثل الذي أمرهم به، فقمتُ بعلم الله مسروراً بمعرفتي ما يهب الله لي، فجامعتُ فعلقتُ بابني هذا المولود، فدونكم فهو والله صاحبكم من بعدي» [المحاسن ج2 ص٣١٤].
2ـ وروى الشيخ الكلينيّ بالإسناد إلى الفيض بن المختار قال: «قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) خذ بيدي من النار، من لنا بعدك؟ فدخل عليه أبو إبراهيم (عليه السلام) ـ وهو يومئذٍ غلامٌ ـ فقال: هذا صاحبكم، فتمسَّك به» [الكافي ج1 ص307، الإرشاد ج2 ص217].
3ـ وروى أيضاً بسنده إلى صفوان الجمَّال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال له منصور بن حازم: بأبي أنت وأمي، إنَّ الأنفس يُغدا عليها ويُراح، فإذا كان ذلك فمن؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا كان ذلك فهو صاحبكم، وضرب بيده على منكب أبي الحسن (عليه السلام) الأيمن فيما أعلم، وهو يومئذٍ خماسيٌّ» [الكافي ج1 ص309، الإرشاد ج2 ص218].
4ـ وروى أيضاً بسنده عن عيسى بن عبد الله بن محمَّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلتُ له: إنْ كان كونٌ ـ ولا أراني الله ذلك ـ فبمن ائتمَّ؟ قال: فأومأ إلى ابنه موسى (عليه السلام)» [الكافي ج1 ص309، الإرشاد ج2 ص218].
5ـ وروى أيضاً بسنده إلى سليمان بن خالد قال: «دعا أبو عبد الله (عليه السلام) أبا الحسن (عليه السلام) يوماً ونحن عنده، فقال لنا: عليكم بهذا، فهو والله صاحبكم بعدي» [الكافي ج1 ص310، الإرشاد ج2 ص219].
6ـ وروى أيضاً بسنده إلى صفوان الجمَّال قال: «سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن صاحب هذا الأمر، فقال: إنَّ صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب، وأقبل أبو الحسن موسى وهو صغيرٌ، ومعه عناقٌ مكَّيَّةٌ، وهو يقول لها: اسجدي لربك. فأخذه أبو عبد الله (عليه السلام) وضمَّه إليه وقال: بأبي وأمي، من لا يلهو ولا يلعب» [الكافي ج1 ص311، الإرشاد ج2 ص219].
7ـ وروى الشيخ الصدوق بسنده إلى داود بن كثير قال: «قلتُ لأبي عبد الله: جعلتُ فداك وقدمني للموت قبلك، إنْ كان كونٌ فإلى من؟ قال: إلى ابني موسى، فكان ذلك الكون، فو الله ما شككتُ في موسى (عليه السلام) طرفة عينٍ قط» [عيون أخبار الرضا ج1 ص32].
8ـ وروى أيضاً بسنده عن المفضَّل بن عمر قال: «دخلتُ على سيدي جعفر بن محمَّد (عليهما السلام) فقلتُ: يا سيدي، لو عهدتَ إلينا في الخلف من بعدك؟ فقال لي: يا مفضَّل، الإمام من بعدي ابني موسى» [كمال الدين ص٣٣٤].
إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.
القسم الثالث: المعاجز والكرامات:
وهي النصوص التي تتضمَّن نقل (المعاجز والكرامات) التي صدرت من الإمام الكاظم (عليه السلام) والتي تكشف عن كونه حُجَّةً لله تعالى وإماماً للخلق، نذكر بعضاً منها:
1ـ روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده إلى الحسن بن عليّ بن يقطين، عن أخيه الحسين، عن أبيه عليّ بن يقطين، قال: «استدعى الرشيد رجلاً يُبطل به أمر أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) ويقطعه ويخجله في المجلس، فانتدب له رجلٌ معزِّمٌ، فلمَّا أُحضرتِ المائدة عمل ناموساً على الخبز، فكان كلَّما رام خادم أبي الحسن (عليه السلام) تناول رغيفٍ من الخبز طار من بين يديه، واستفزَّ هارون الفرح والضحك لذلك، فلم يلبث أبو الحسن (عليه السلام) أنْ رفع رأسه إلى أسدٍ مصوَّرٍ على بعض الستور، فقال له: يا أسد الله، خذ عدوَّ الله. قال: فوثبتْ تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع، فافترست ذلك المعزِّم، فخرَّ هارون وندماؤه على وجوههم مغشيَّاً عليهم، وطارت عقولهم خوفاً من هول ما رأوه، فلمَّا أفاقوا من ذلك بعد حينٍ، قال هارون لأبي الحسن (عليه السلام): أسألك بحقِّي عليك، لـمَّا سألتَ الصورة أنْ تردَّ الرجل. فقال: إنْ كانت عصا موسى (عليه السلام) ردَّت ما ابتلعته من حبال القوم وعصيِّهم، فإنَّ هذه الصورة تردُّ ما ابتلعته من هذا الرجل، فكان ذلك أعمل الأشياء في إفاقته» [الأمالي ص212، مناقب آل أبي طالب ج3 ص323].
2ـ وروى الشيخ محمَّد بن جرير الطبريّ (طاب ثراه) بسنده إلى وكيع، قال: قال الأعمش: «رأيتُ موسى بن جعفر (عليه السلام) وقد أتى شجرةً مقطوعةً موضوعةً فمسَّها بيده فأورقت، ثمَّ اجتنى منها ثمراً وأطعمني» [دلائل الإمامة ص321].
3ـ وروى (طاب ثراه) أيضاً بسنده إلى موسى بن هامان، قال: «رأيتُ موسى بن جعفر (عليه السلام) في حبس الرشيد وتنزل عليه مائدةٌ من السماء، ويطعم أهل السجن كلَّهم ثمَّ يصعد بها من غير أنْ ينقص منها شيءٌ» [دلائل الإمامة ص321].
4ـ وروى شيخنا الراونديّ (طاب ثراه) عن المفضَّل بن عمر قال: «لمَّا مضى الصادق (عليه السلام)، كانت وصيَّته في الإمامة إلى موسى الكاظم (عليه السلام)، فادَّعى أخوه عبد الله الإمامة، وكان أكبر ولد جعفر (عليه السلام) في وقته ذلك، وهو المعروف بالأفطح. فأمر موسى [بن جعفر] (عليه السلام) بجمع حطبٍ كثيرٍ في وسط داره، فأرسل إلى أخيه عبد الله يسأله أنْ يصير إليه، فلمَّا صار عنده، ومع موسى (عليه السلام) جماعةٌ من وجوه الإماميَّة، فلمَّا جلس إليه أخوه عبد الله، أمر موسى (عليه السلام) أنْ تُضرم النار في ذلك الحطب فأُضرمت، ولا يعلم الناس السبب فيه حتَّى صار الحطب كلُّه جمراً، ثمَّ قام (عليه السلام) وجلس بثيابه في وسط النار، وأقبل يحدِّث القوم ساعةً، ثمَّ قام فنفض ثوبه ورجع إلى المجلس. فقال لأخيه عبد الله: إنْ كنتَ تزعم أنَّك الإمام بعد أبيك فاجلس في ذلك المجلس، قالوا: فرأينا عبد الله قد تغيَّر لونه، فقام يجرُّ رداءه حتَّى خرج من دار موسى (عليه السلام)» [الخرائج والجرائح ج1 ص٣٠٨].
إلى غيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.
فتحصَّل من جميع ذلك، أنَّ الروايات الدالَّة على إمامة الإمام الكاظم (عليه السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين.
والنتيجة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ هذه النصوص ـ وغيرها ـ من أوضح الدلائل على إمامة الإمام الكاظم (عليه السلام).. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق