هل العلم يغني عن وجود الله تعالى؟
السؤال: العلم لا ينفي وجود الله، لكنه يجعل وجوده غير ضروري لتفسير الكون. نيل ديغرايس تايسون.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
لقد أجبنا في مواضع متعدِّدةٍ عن هذا النمط من التساؤلات، التي تبدو مختلفةً في ظاهرها، لكنَّها في حقيقتها تقوم على خلطٍ واحدٍ يتكرَّر دائماً، وهو الخلط بين مستويين مختلفين من المعرفة: مستوى تفسير «كيف يعمل الكون»، ومستوى تفسير «لماذا يوجد الكون أصلاً»، ومن هنا، فإنَّ مثل هذه العبارات لا تحتاج إلى تفكيكٍ طويلٍ بقدر ما تحتاج إلى تصحيح زاوية النظر؛ ولذا يمكن اختصار الجواب في الآتي:
العلم – بطبيعته – يشتغل على دراسة الظواهر داخل الكون، ويبحث في القوانين التي تحكمها: كيف تتشكَّل النجوم، كيف تعمل الجاذبيَّة، كيف تحدث الزلازل… لكنَّه لا يتجاوز هذا الإطار إلى السؤال الأعمق: لماذا يوجد هذا النظام من الأساس؟ ولماذا هذه القوانين بالذات دون غيرها؟ فحين يقال إنَّ «العلم لا يحتاج إلى الله لتفسير الكون»، فالمقصود في الحقيقة: لا يحتاج إلى فرضيَّةٍ إضافيَّةٍ لشرح الآليَّات داخل الكون. وهذا صحيحٌ ضمن حدوده، لكنَّه لا يمسُّ أصل السؤال الفلسفيّ عن الوجود.
بعبارةٍ أوضح: العلم يفسِّر «كيف»، لكنَّه لا يجيب عن «لماذا». يشرح لك كيف يسقط التفاح، لكنَّه لا يفسِّر لماذا يوجد قانون الجاذبيَّة أصلاً، ولماذا الكون قابلٌ للفهم بهذا الشكل المنظَّم.
وهذه ليست ثغرةً في العلم، بل هي حدوده الطبيعيَّة، فالمشكلة تبدأ حين يُحمَّل العلم ما لا يملك، ويُحوَّل من أداةٍ لفهم الظواهر إلى فلسفةٍ تفسِّر الوجود كلَّه.
ثمَّ إنَّ القول بأنَّ وجود الله «غير ضروريٍّ»، يقوم على فهمٍ ضيِّقٍ لمعنى الضرورة؛ فالمقصود ليس: هل نحتاج إلى الله داخل المعادلات الفيزيائيَّة لشرح الظواهر؟ بل السؤال الأعمق: هل يمكن للكون – بكلِّ ما فيه من قوانين دقيقةٍ ونظامٍ محكمٍ – أنْ يفسِّر وجوده بنفسه؟ فإذا كنَّا نطالب بتفسيرٍ لكلِّ شيءٍ داخل الكون، فكيف يُستثنى الكون نفسه من هذا المبدأ؟ وعليه، فإنَّ القول بأنَّ الكون «موجودٌ هكذا» دون حاجةٍ إلى سببٍ أو تفسيرٍ، ليس موقفاً علميَّاً، بل افتراضٌ فلسفيٌّ، بل قد يكون أكثر إشكالاً من القول بوجود خالقٍ يفسِّر أصل هذا النظام.
والأهمُّ من ذلك أنَّ هذا الطرح يتجاهل أنَّ العلم نفسه قائمٌ على افتراضاتٍ لا يبرِّرها العلم: مثل انتظام القوانين، وقابليَّة الكون للفهم، وثبات العلاقات الرياضيَّة. هذه ليست نتائج علميَّةً، بل شروطٌ مسبقةٌ لقيام العلم. والسؤال يبقى: لماذا الكون مفهومٌ أصلاً؟ ولماذا القوانين ثابتةٌ وقابلةٌ للاكتشاف؟ هنا ينتقل النقاش من المختبر إلى الفلسفة.
أمَّا من الناحيَّة النفسيَّة، فإنَّ مثل هذا الطرح يعكس أحياناً رغبةً في الاكتفاء بتفسيرٍ «ميكانيكيٍّ» للعالم، دون الدخول في الأسئلة الوجوديَّة الكبرى التي قد تفرض التزاماتٍ فكريَّةً أو أخلاقيَّةً، فبدلاً من مواجهة سؤال المعنى والغائيَّة، يتمُّ الاكتفاء بوصف الآليَّات، ثمَّ يُقال: «هذا يكفي». لكنَّه في الحقيقة لا يكفي، بل يؤجِّل السؤال ولا يجيب عنه.
وفي المحصِّلة، العلم لا ينفي وجود الله – وهذا ما يعترف به هذا القول نفسه – لكنَّه أيضاً لا يجعل وجوده «زائداً عن الحاجة»، بل يظلُّ العلم عاجزاً عن الإجابة عن السؤال الأعمق: لماذا يوجد الكون أصلاً؟ ومن أين جاءت قوانينه؟ ومن هنا، فإنَّ تحويل حدود العلم إلى حجَّةٍ ضدَّ الإيمان ليس موقفاً علميَّاً، بل قراءةٌ فلسفيَّةٌ ضيِّقةٌ تُحمِّل العلم ما لا يقول به.
والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق