إمامة الإمام محمد الجواد (ع)

السؤال: ما هو الدليل على إمامة الإمام محمَّد بن علي الجواد (عليه السلام)؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرنا في جوابٍ سابقٍ تحت عنوان (تواتر النصوص على الأئمَّة الاثني عشر) أنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين، وقد أشرنا إلى ذكر جملةٍ كبيرةٍ من كتب الأعلام والمحققين الناقلة لتلك الأخبار مما تجعل الباحث المنصِف على درجةٍ عاليةٍ من التصديق والاطمئنان بذلك.

إذا اتَّضح هذا فنقول:

إنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الإمام الجواد (عليه السلام) على أقسامٍ عدَّةٍ يتجاوز مجموعها رتبة التواتر المفيد للعلم واليقين، كما سوف يتَّضح، نذكر شطراً منها، حذراً من التطويل.

القسم الأوَّل: النصوص العامَّة:

وهي ما رُوي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حقِّ الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) جميعاً، ومنهم الإمام الجواد (عليه السلام)، وهي كثيرةٌ أيضاً نذكر منها:

ما رواه الشيخ الخزَّاز بسنده إلى أبي عبد الله الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «لما أسري بي إلى السماء أوحى إليَّ ربي (جلَّ جلاله) فقال: يا محمَّد، إني اطَّلعتُ إلى الأرض اطَّلاعةً فاخترتك منها وجعلتك نبيَّاً، وشققتُ لك من اسمي اسماً، فأنا المحمود وأنت محمَّد، ثمَّ اطَّلعت الثانية فاخترتُ منها عليَّاً، وجعلته وصيَّك وخليفتك وزوج ابنتك وأبا ذريتك، وشققتُ له اسماً من أسمائي، فأنا العلي الأعلى وهو علي، وجعلتُ فاطمة والحسن والحسين من نوركما، ثمَّ عرضتُ ولايتهم على الملائكة، فمن قبلها كان عندي من المقرَّبين. يا محمَّد، لو أنَّ عبداً عبدني حتَّى ينقطع ويصير كالشن البالي، ثمَّ أتاني جاحداً لولايتهم ما أسكنته جنتي ولا أظللته تحت عرشي. يا محمَّد، أتحب أنْ تراهم؟ قلتُ: نعم يا رب. فقال (عزَّ وجلَّ): ارفع رأسك، فرفعتُ رأسي، فإذا بأنوار علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمَّد بن علي، وجعفر بن محمَّد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمَّد بن علي، وعلي بن محمَّد، والحسن بن علي، ومحمَّد بن الحسن القائم في وسطهم، كأنَّه كوكبٌ دري، فقلتُ: يا ربِّ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الأئمَّة، وهذا القائم الذي يُحلُّ حلالي ويحرِّم حرامي، وبه أنتقم من أعدائي، وهو راحةٌ لأوليائي، وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين» [كفاية الأثر ص244].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.

القسم الثاني: النصوص الدالَّة على أنَّ الإمامة بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) منحصرةٌ بالأولاد:

ومن المعلوم أنَّ الإمام الرضا (عليه السلام) لم يكن عنده من الأولاد إلَّا الإمام الجواد (عليه السلام)، ولذلك فالإمامة منحصرةٌ به كما هو واضحٌ. نذكر بعضاً من تلك الأخبار.

1ـ روى الشيخ الفقيه علي ابن بابويه القمِّي بسنده إلى أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: 28]، قال: «في عقب الحسين (عليه السلام)، فلم يزل هذا الأمر ـ منذ أفضي إلى الحسين (عليه السلام) ـ ينتقل من والدٍ إلى ولدٍ، لا يرجع إلى أخٍ ولا إلى عمٍ، ولا يُعلم أنَّ أحداً منهم إلَّا وله ولدٌ» [الإمامة والتبصرة ص٤٩].

2ـ وروى الشيخ الكليني بسنده إلى الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين أبداً، إنَّما جرت من علي بن الحسين، كما قال الله (تبارك وتعالى):﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ [الأنفال: 75]، فلا تكون بعد علي بن الحسين (عليه السلام) إلَّا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب» [الكافي ج1 ص285].

3ـ وروى أيضاً بسنده إلى يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه سمعه يقول: «أبى الله أنْ يجعلها لأخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)» [الكافي ج1 ص286].

4ـ وروى أيضاً بسنده إلى حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين، إنَّما هي في الأعقاب وأعقاب الأعقاب» [الكافي ج1 ص286].

5ـ وروى أيضاً بسنده إلى الحسين بن بشَّار قال: «كتب ابن قياما إلى أبي الحسن (عليه السلام) كتاباً يقول فيه: كيف تكون إماماً وليس لك ولدٌ؟ فأجابه أبو الحسن الرضا (عليه السلام) شبه المغضب: وما علمك أنَّه لا يكون لي ولدٌ، والله لا تمضي الأيام والليالي حتَّى يرزقني الله ولداً ذكراً يفرِّق به بين الحق والباطل» [الكافي ج1 ص320].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.

القسم الثالث: النصوص الخاصَّة:

وهي ما رُوي من نصِّ آبائه أو أبيه الإمام الرضا (عليه السلام) عليه بالخصوص، نذكر جملةً منها:

1ـ روى الشيخ الكليني بسنده إلى عيسى بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: إنْ كان كونٌ ـ ولا أراني الله ـ فبمن ائتم؟ فأومأ إلى ابنه موسى. قال: قلتُ: فإنْ حدث بموسى حدثٌ فبمن ائتم؟ قال: بولده. قلت: فإنْ حدث بولده حدثٌ وترك أخاً كبيراً وابناً صغيراً، فبمن ائتم؟ قال: بولده» [الكافي ج1 ص286].

2ـ وروى أيضاً بسنده إلى صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا (عليه السلام): «قد كنا نسألك قبل أنْ يهب الله لك أبا جعفر (عليه السلام) فكنت تقول: يهب الله لي غلاماً، فقد وهبه الله لك فأقر عيوننا، فلا أرانا الله يومك، فإنْ كان كونٌ فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر (عليه السلام) وهو قائمٌ بين يديه» [الكافي ج1 ص٣٢١].

3ـ وروى أيضاً بسنده إلى الخيراني، عن أبيه قال: «كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن (عليه السلام) بخراسان فقال له قائل: يا سيدي، إنْ كان كونٌ فإلى من؟ قال: إلى أبي جعفر ابني» [الكافي ج1 ص322].

4ـ وروى أيضاً بسنده إلى ابن أبي نصر قال: «قال لي ابن النجاشي: من الإمام بعد صاحبك، فأشتهي أنْ تسأله حتَّى أعلم؟ فدخلت على الرضا (عليه السلام) فأخبرته قال: فقال لي: الإمام ابني، ثمَّ قال: هل يتجرَّأ أحدٌ أنْ يقول ابني وليس له ولدٌ!» [الكافي ج1 ص320].

5ـ وروى أيضاً بسنده إلى معمر بن خلاد قال: «سمعتُ الرضا (عليه السلام) وذكر شيئاً فقال: ما حاجتكم إلى ذلك، هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيرته مكاني، وقال: إنَّا أهل بيتٍ يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذَّة بالقذَّة» [الكافي ج1 ص٣٢٠].

6ـ وروى الشيخ الصدوق بسنده إلى محمَّد بن سنان قال: «دخلتُ على أبي الحسن (عليه السلام) قبل أنْ يُحمل العراق بسنة، وعليٌّ ابنه (عليه السلام) بين يديه... قال: من ظلم ابني هذا حقَّه وجحد إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب (عليه السلام) حقَّه وجحد إمامته بعد محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، فعلمتُ أنَّه قد نعى إليَّ نفسه ودلَّ على ابنه، فقلت: والله لئن مدَّ الله في عمري لأسلِّمن إليه حقَّه ولأقرَّن له بالإمامة وأشهد أنَّه من بعدك حُجَّة الله تعالى على خلقه، والداعي إلى دينه. فقال لي: يا محمَّد، يمد الله في عمرك وتدعو إلى إمامته وإمامة من يقوم مقامه من بعده. فقلتُ: من ذاك جعلت فداك؟ قال: محمَّد ابنه» [عيون أخبار الرضا ج1 ص40].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.

القسم الرابع: المعاجز والكرامات:

وهي النصوص التي تتضمَّن نقل (المعاجز والكرامات) التي صدرت من الإمام الجواد (عليه السلام) والتي تكشف عن كونه حُجَّةً لله تعالى وإماماً للخلق، نذكر بعضاً منها:

1ـ روى الشيخ الكليني بسنده إلى علي بن أسباط قال: «رأيتُ أبا جعفر (عليه السلام) وقد خرج عليَّ فأخذتُ النظر إليه، وجعلتُ أنظر إلى رأسه ورجليه، لأصف قامته لأصحابنا بمصر، فبينا أنا كذلك حتَّى قعد، فقال: يا علي، إنَّ الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج به في النبوَّة فقال: ﴿وَآتيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيَّاً﴾[مريم: 12]، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾[القصص: 14]، ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: 15]، فقد يجوز أنْ يُؤتى الحكمة وهو صبيٌّ، ويجوز أنْ يؤتاها وهو ابن أربعين سنةً» [الكافي ج1 ص٣٨٤].

2ـ وروى الشيخ الطبرسي عن محمَّد بن عبد الله بن مهران قال: قال: محمَّد بن الفرج: «كتب إليَّ أبو جعفر: احملوا إليَّ الخمس، فإني لستُ آخذه منكم سوى عامي هذا. فقُبض (عليه السلام) في تلك السنة» [إعلام الورى ج2 ص100].

3ـ وروى ابن حمزة الطوسي عن إسماعيل بن عباس الهاشمي، قال: «جئتُ إلى أبي جعفر (عليه السلام) يوم عيدٍ، فشكوت إليه ضيق المعاش، فرفع المصلَّى، فأخذ من التراب سبيكةً من ذهبٍ فأعطانيها، فخرجت بها إلى السوق، فكان فيها ستة عشر مثقالاً من الذهب» [الثاقب في المناقب ص٥٢٦].

4ـ وروى أيضاً عن محمَّد بن ميمون، قال: «كنت مع الرضا (عليه السلام) بمكَّة قبل خروجه إلى خراسان، قال: فقلت له: إني أريد أنْ أتقدَّم إلى المدينة، فاكتب معي كتاباً إلى أبي جعفر (عليه السلام)، فتبسَّم وكتب، وحضرت إلى المدينة، وقد كان ذهب بصري، فأخرج الخادم أبا جعفر (عليه السلام) إلينا فحمله من المهد، فتناول الكتاب وقال لموفق الخادم: فضَّه وانشره، ففضَّه ونشره بين يديه، فنظر فيه، ثمَّ قال: يا محمَّد، ما حال بصرك؟ قلتُ: يا بن رسول الله، اعتلَّت عيناي فذهب بصري كما ترى. قال: فمدَّ يده ومسح بها على عيني، فعاد بصري إليَّ كأصح ما كان، فقبَّلت يده ورجله، وانصرفت من عنده وأنا بصيرٌ، والمنَّة لله» [الثاقب في المناقب ص٥٢٥].

5ـ وروى قطب الدِّين الراوندي عن الحسن بن علي الوشاء قال: «كنت بالمدينة ب‍ـ(صريا) في المشربة مع أبي جعفر (عليه السلام) فقام وقال: لا تبرح. فقلت في نفسي: كنتُ أردتُ أنْ أسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) قميصاً من ثيابه فلم أفعل، فإذا عاد إليَّ أبو جعفر (عليه السلام) أسأله. فأرسل إليَّ من قبل أنْ أسأله، ومن قبل أنْ يعود إليَّ وأنا في المشربة، بقميصٍ وقال الرسول: يقول لك: هذا من ثياب أبي الحسن التي كان يصلِّي فيها» [الخرائج والجرائح ج1 ص383].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.

فتحصَّل من جميع ذلك، أنَّ الروايات الدالَّة على إمامة الإمام الجواد (عليه السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين.

النتيجة النهائية من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ هذه النصوص ـ وغيرها ـ من أوضح الدلائل على إمامة الإمام الجواد (عليه السلام).. والحمد لله ربِّ العالمين.