استمرارية ليلة القدر

السؤال: يقال إنه في ليلة القدر يتم تحديد مصير كل إنسان، ولكن هل في كل عام يتكرر هذا الأمر مرة أخرى؟ ألا يكفي تحديده مرة واحدة فقط؟

: السيد عبدالهادي العلوي

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يقول الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [سورة القدر: 4]، ويقول تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: 4].

إنّ الأحاديث الشريفة والآثار المنقولة وكلمات العلماء، واضحة الدلالة على أنّ ليلة القدر مستمرّة ودائمة، ومتكرّرة بتكرّر السنين، ففي شهر رمضان من كلّ سنة قمريّة ليلة يُقدّر فيها الأمور، فإنّ الله تعالى ينزل في ليلة القدر الروح والملائكة بالمقدّرات المختصّة بعام واحد تبدأ منها إلى ليلة القدر من العام المقبل، أي الأمور التي قضاها الله تعالى وأحكمها لفترة زمنيّة معيّنة وهي من ليلة القدر إلى ليلة القدر من السنة المقبلة، لا جميع الأمور إلى يوم القيامة، وهذا يعني تكرّر واستمرار ليلة القدر في كلّ سنة.

وهذا – أعني استمراريّة ليلة القدر – مستفاد من الآيات الكريمة أيضاً، سيّما صيغة المضارعة ﴿يُفْرَقُ﴾ و﴿تَنَزَّلُ﴾، قال الطباطبائي: (ويستفاد من ذلك: أنّ الليلة متكرّرة بتكرّر السنين.. على أنّ قوله: ﴿يُفْرَقُ﴾ - وهو فعل مضارع – ظاهر في الاستمرار، وقوله: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلفِ شَهْرٍ﴾ و ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يؤيّد ذلك) [تفسير الميزان ج20 ص331].

أوّلاً: الأحاديث عند الإماميّة:

والأحاديث الواردة عندنا مستفيضة إن لم تكن متواترة، نذكر بعضاً منها:

1ـ روى الكلينيّ والصدوق والطوسيّ بالإسناد عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام): « أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لابن عبّاس: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، وإنّه ينزل في تلك الليلة أمر السنة » [الكافي ج1 ص248، الخصال ص479، كمال الدين ص305، الغيبة ص142].

2ـ وروى الكلينيّ والصدوق بالإسناد عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « يقدّر في ليلة القدر كلّ شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل، خير وشرّ، وطاعة ومعصية، ومولود وأجل أو رزق، فما قُدّر في تلك السنة وقضي فهو المحتوم، ولله عز وجل فيه المشيئة » [الكافي ج4 ص157، الفقيه ج2 ص158، ثواب الأعمال ص67].

3ـ وروى الكلينيّ والصدوق بالإسناد عن داود بن فرقد، قال: سمعت رجلاً سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن ليلة القدر، فقال: أخبرني عن ليلة القدر كانت أو تكون في كلّ عام؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): « لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن » [الكافي ج4 ص158، الفقيه ج2 ص388، علل الشرائع ج2 ص388].

4ـ وروى الصدوق بالإسناد عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: « ليلة القدر يقدّر الله عزّ وجلّ فيها ما يكون من السنة إلى السنة؛ من حياة أو موت أو خير أو شر أو رزق ، فما قدّره من تلك الليلة فهو من المحتوم » [التوحيد ص444، عيون أخبار الرضا ج1 ص161].

ثانياً: الأحاديث والآثار عند المخالفين:

والأحاديث والآثار عند المخالفين وفيرة، نذكر منها:

1ـ روى أحمد بن حنبل والحاكم النيسابوريّ وابن خزيمة والطحاويّ وابن حبان والبيهقيّ وغيرهم بالإسناد عن أبي مرثد - أو مرثد - قال: « سألت أبا ذر قلت: كنتَ سألتَ رسول الله (ص) عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنت أسألَ الناس عنها، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر، أفي رمضان هي أو في غيره؟ قال: بل هي في رمضان، قال: قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة » [مسند أحمد ج5 ص171، المستدرك ج1 ص437، صحيح ابن خزيمة ج3 ص320-321، شرح مشكل الآثار ج3 ص85، صحيح ابن حبان ج8 ص439، شعب الإيمان ج3 ص324، وغيرها].

قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه).

2ـ روى عبد الرزاق الصنعانيّ بالإسناد عن عكرمة عن ابن عباس، قال ابن عباس: « ليلة القدر في كل رمضان يأتي. قال: وحدّثني يزيد بن عبد الله بن الهاد: أنّ رسول الله (ص) سُئل عن ليلة القدر فقيل له: كانت مع النبيين ثمّ رفعت حين قبضوا، أو هي في كلّ سنة؟ قال: بل هي في كلّ سنة، بل هي في كل سنة » [المصنف ج4 ص255].

3ـ وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: « حُدّثت أنّ شيخاً من أهل المدينة سأل أبا ذر بمنى، فقال: رفعت ليلة القدر أم هي في كلّ رمضان؟ فقال أبو ذر: سألت رسول الله (ص) فقلت: يا رسول الله، رفعت ليلة القدر؟ قال: بل هي في كل رمضان » [المصنف ج4 ص255].

4ـ قال ابن عبد البر: (وقد ثبت عن أربعة من الصحابة أنّها في كل رمضان ولا أعلم لهم مخالفاً) [التمهيد ج2 ص208]، وقال: (وذكرنا هناك بالأسانيد عن أربعة من الصحابة: أنّ ليلة القدر في كلّ رمضان؛ ابن عمر وابن عباس وأبي ذر وأبي هريرة) [الاستذكار ج3 ص414].

ولا يذهب عليك:

أنّ القول باستمراريّة ليلة القدر يلزمه القول بلزوم الحجّة الإلهيّة بعد النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله)؛ لأنّ الملائكة والروح كانت تنزل بالمقدّرات الإلهيّة إلى الأرض في ليلة القدر في كلّ عام إلى الأرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حياته، وبما أنّ ليلة القدر مستمرّة ونزولهم مستمرّ بالمقدّرات فلابدّ من وجود ظرف لنزولهم بهذه المقدّرات، أي يلزم وجود شخص تنزل عليه الملائكة والروح بالأوامر الإلهيّة، وهذا الشخص حجّة الله في الأرض؛ لأنّه متّصل بالسماء وتنزل عليه الملائكة، ولا يُعقل أن تنزل الملائكة لا على أحدٍ؛ إذ لا معنى – حينئذٍ - لنزولها.

ولهذا حضّ الأئمة (عليهم السلام) الاستدلال بهذا البرهان على المخالفين:

روى الشيخ الكلينيّ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « يا معشر الشيعة، خاصموا بسورة ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاه﴾ تفلجوا، فوالله إنّها لحجّة الله تبارك وتعالى على الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإنّها لسيّدة دينكم، وإنّها لغاية علمنا » [الكافي ج1 ص249].

وروى الصفّار والكلينيّ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: « كان عليّ (عليه السلام) كثيراً ما يقول: ما اجتمع التيميّ والعدويّ عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقرأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاه﴾ بتخشّع وبكاء.. ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ﴾، قال: ثمّ يقول: هل بقي شيء بعد قوله عزّ وجلّ: ﴿كُلِّ أَمْرٍ ؟﴾ فيقولان: لا، فيقول: هل تعلمان مَن المنزل إليه بذلك؟ فيقولان: أنت يا رسول الله، فيقول: نعم، فيقول: هل تكون ليلة القدر من بعدي؟ فيقولان: نعم، قال: فيقول: فهل ينزل ذلك الأمر فيها؟ فيقولان: نعم، قال: فيقول: إلى مَن؟ فيقولان: لا ندري، فيأخذ برأسي ويقول: إنْ لم تدريا فادريا، هو هذا من بعدي » [بصائر الدرجات ص244، الكافي ج1 ص249].

وروى الكلينيّ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: « كان عليّ بن الحسين (صلوات الله عليه) يقول... يقول أهل الخلاف لأمر الله عزّ وجلّ: مضت ليلة القدر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهذه فتنة أصابتهم خاصّة، وبها ارتدّوا على أعقابهم، لأنّه إنْ قالوا: لم تذهب، فلابدّ أن يكون لله عزّ وجلّ فيها أمر، وإذا أقرّوا بالأمر لم يكن له من صاحب بدٌّ » [الكافي ج1 ص249].

والحمد لله ربّ العالمين