ضرب الزوجة

السؤال: ما هو رأي مذهب أهل البيت في ضرب الزوجة؟ وكيف نفهم الآية التي تجيز ضرب الزوجة في القرآن؟

: السيد عبدالهادي العلوي

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يقول الله تعالى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [سورة النساء: 34].

يتحقّق نشوز الزوجة بخروجها عن طاعة الزوج الواجبة عليها، وذلك بعدم تمكينه ممّا يستحقّه من الاستمتاع بها. فإذا نشزت الزوجة يجوز للزوج أن يتصدّى إلى هدايتها وإرجاعها إلى طاعته، باتّباع عدّة إجراءات مترتّبة، فأوّلاً يقوم الزوج بموعظتها، فإنْ لم تفد الموعظة في رجوعها للطاعة هجرها في المضجع، فإن لم يفد الهجران في ترك النشوز ضربها إذا كان يؤمل معه رجوعها إلى الطاعة.

ويشترط في الضرب أمور: كأن يكون الضرب بقصد الإصلاح لا التشفّي والانتقام، وأن لا يكون الضرب مبرحاً شديداً يؤثّر احمرار بدنها أو اسوداده، وأن لا يوجب إدماء لحم ولا كسر عظم، ولو حصل بالضرب جنايةٌ وجب عليه الغرامة، كما هو مفصَّل في أحكام الديات. وفي الرواية عن الباقر (عليه السلام): « هو بالسواك » [تفسير التبيان ج3 ص191].

فإذا لم تفد هذه الإجراءات الثلاث وأصرّت على نشوزها، فليس للزوج أن يتّخذ إجراءً آخر سواء كان قوليّاً أو فعليّاً، فليس له جرّ شعرها مثلاً أو ضربها ضرباً مبرحاً أو حبسها أو غير ذلك، وله رفع الأمر للحاكم الشرعيّ ليلزمها بما يراه مناسباً.

وإليك كلمات بعض العلماء:

قال الشيخ الصدوق: (والضرب بالسواك وغيره ضرباً خفيفاً) [المقنع ص350].

وقال الشيخ المفيد: (والضرب بالسواك وشبهه ضرباً لا يبرح، ولا يفسد لحماً ولا جلداً) [المقنعة ص518].

وقال الشيخ الطوسيّ: (وأمّا الضرب فإنّه غير مبرح بلا خلاف) [تفسير التبيان ج3 ص191].

وقال أيضاً: (وأمّا الضرب: فأن يضربها ضربَ تأديب كما يضرب الصبيان على الذنب، ولا يضربها ضرباً مبرحاً، ولا مدمياً، ولا مزمناً، ويفرّق الضرب على بدنها، ويتّقي الوجه، وروى أصحابنا: أنّه يضربها بالسواك) [المبسوط ج4 ص338].

وقال ابن البراج: (وأمّا الضرب: فهو ضرب تأديب كما يضرب الصبيان على الذنب، ولا يضربها ضرباً مبرحاً، ولا مزمناً، ولا مدمياً، ويفرّقه على بدنها، ويتّقي وجهها، وإذا ضربها كذلك فليكن بالمسواك) [المهذب ج2 ص264].

وقال المرجع الأعلى السيّد علي السيستانيّ:

(مسألة 353: إذا نشزت الزوجة جاز للزوج أن يتصدّى لإرجاعها إلى طاعته، وذلك بأن يعظها أوّلاً، فإنْ لم ينفع الوعظ هجرها في المضجع إذا احتمل نفعه - كأنْ يحول إليها ظهره في الفراش، أو يعتزل فراشها إذا كان يشاركها فيه من قبل -، فإنْ لم يؤثّر ذلك أيضاً جاز له ضربها إذا كان يؤمل معه رجوعها إلى الطاعة وترك النشوز، ويقتصر منه على أقل مقدار يحتمل معه التأثير، فلا يجوز الزيادة عليه مع حصول الغرض به، وإلّا تدرّج إلى الأقوى فالأقوى ما لم يكن مدمياً ولا شديداً مؤثّراً في اسوداد بدنها أو احمراره، واللازم أن يكون ذلك بقصد الإصلاح لا التشفّي والانتقام، ولو حصل بالضرب جناية وجب الغرم.

وإذا لم تنفع معها الإجراءات المتقدّمة، وأصرّت على نشوزها فليس للزوج أن يتّخذ ضدّها إجراء آخر سواء أكان قوليّاً كإيعادها بما لا يجوز له فعله - بخلاف الإيعاد بما يجوز له كالطلاق أو التزويج عليها -، أو كان فعليّاً كفرك أذنها أو جرّ شعرها أو حبسها أو غير ذلك. نعم، يجوز له رفع أمره إلى الحاكم الشرعي ليلزمها بنا يراه مناسباً كالتعزير ونحوه) [منهاج الصالحين ج3 ص107].

إذن: أجاز الله تعالى للزوج أن يتّخذ إجراءات إصلاحيّة في سبيل إرجاع زوجته الناشزة، وذلك بأنْ يعظها، فإنْ لم يفد يهجرها، فإنْ لم يفد يضربها على أمل رجوعها لطاعته، فليس الضرب للتشفّي والانتقام بل للإصلاح والتأديب، ولذا لا يكون مبرحاً ولا موجباً لاحمرار البدن واسوداده أو خروج الدم أو كسر العظم، ومع حصول ذلك يضمن الزوج الغرم.

والحمد لله رب العالمين