هل معرفة الأسباب تلغي الإيمان بالله تعالى؟

السؤال: في كلِّ مرةٍ نكتشف أنَّ سبب حدوث الأشياء هي قوانين الطبيعة البحتة يتم دفع الله درجةً إلى الوراء، فيقول المؤمنون بأنَّ الله هو السبب وراء مسبِّباتها. وعندما يتم اكتشاف السبب وراء مسبباتها كذلك، يتم دفع الله درجةً أخرى للوراء وهلمَّ جرًّا. اليوم وصل الله إلى مرحلة أنَّه لا يفعل أيَّ شيءٍ أكثر من أنْ يكون السبب والعلَّة الأولى فقط. لكن، هل سيختفي الإيمان بالله لو عرفنا أنَّ سبب نشوء الكون هو سببٌ طبيعيٌ بحتٌ، وهو الأرجح علميًا؟

:  الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

ازداد في الآونة الأخيرة الجدل في العلاقة بين الدين والعلم التجريبيّ، وبرزت تساؤلاتٌ وإشكالاتٌ عديدة، من أبرزها ما طرحه ستيفن هوكينغ في كتابه (التصميم العظيم).

وتعود جذور كثيرٍ من هذه الإشكالات إلى تصوّرٍ مشوّهٍ عن مفهوم الإله انتشر في بعض الأوساط الفكريَّة الغربيّة، وهو تصوّرٌ يستند إلى مفاهيم أسطوريّةٍ ووهميَّةٍ لا تمتّ بصلة إلى الرؤية الأصيلة العميقة التي قدّمتها النصوص الإسلاميّة، كما بيّنها الفلاسفة و العلماء عبر قرونٍ من التأمّل العقليّ والروحيّ. فإنّ هذه الإشكالات في جوهرها ناتجةٌ عن فهمٍ غير دقيقٍ لطبيعة الدين؛ إذ تفترض هذه الأطروحات وبالخصوص هذا الإشكال: أنّ الإيمان بالله قائمٌ على الجهل بالأسباب الطبيعيّة، وأنّ المؤمنين يلجؤون إلى الله فقط عندما يعجز العلم عن تقديم تفسير. وبالتالي، كلّما اكتشف العلم سبباً طبيعيّاً لظاهرةٍ ما، تضاءلت - بحسب هذا التصوّر - الحاجة إلى الإيمان، حتّى إذا افترضنا أنّ نشأة الكون نفسها لها سببٌ طبيعيٌّ، فلن تبقى - في نظرهم - أيَّة ضرورةٍ لوجود الله تعالى. وهذا التصوّر في ذاته يحمل إشكالاً فلسفيّاً عميقاً.

وللإجابة عن هذا الإشكال نقول:

أوّلاً: لا بدّ من التمييز بين نوعين من الأسئلة: الأسئلة العلميّة التجريبيّة، والأسئلة الفلسفيّة الوجوديّة.

فالعلم الطبيعيّ يختصّ بالإجابة عن الكيفيّة: كيف تحدث الظواهر؟ ما العوامل التي تؤدّي إلى ظاهرة المطر مثلاً؟ ما الظروف الجويّة والفيزيائيّة التي تنتج عنها العواصف؟ وهذه أسئلةٌ مشروعةٌ ومفيدة، وقد قدّم فيها العلم تقدماً باهراً.

لكن ما يغفله أصحاب هذا الإشكال هو أنّ العلم - بمنهجه التجريبيّ المحدود - لا يتجاوز تفسير الكيفيّة إلى الإجابة عن السؤال الأعمق: لماذا توجد هذه الظواهر أصلاً؟ ولماذا تعمل القوانين الطبيعيّة بهذا الانتظام والدقّة؟ بل لماذا توجد القوانين من الأساس؟

فمثلاً، يمكننا فهم الأسباب الفيزيائيّة لهطول المطر، كالتبخّر والتكاثف، لكن العلم لا يستطيع أنْ يفسّر: لماذا وُجد نظام المطر أساساً؟ وما الغاية منه؟ ولماذا يتّسم الكون بهذا النظام الغائيّ الذي يخدم الحياة؟

فإنّ القول بأنّ وجود تفسير طبيعيّ لنشأة الكون يغني عن الإيمان بالله، هو في الحقيقة خلطٌ ومغالطةٌ بين (التفسير الداخليّ) الذي يصف العلاقات السببيّة ضمن النظام الطبيعيّ الذي يُجيب عنه العلم التجريبيّ، و(التفسير الخارجيّ) الذي يبيّن لماذا وُجد النظام أصلاً، الذي هو سؤال فلسفيّ خارج نطاق العلم التجريبيّّ.

فحتى لو اكتشف العلم آليّةً لظهور الكون من خلال طاقة فراغٍ أو تذبذبٍ كموميّ، فإنّ هذا لا يُغني عن السؤال الأعمق: مَن الذي أوجد هذا الفراغ؟ ولماذا توجد قوانين تسمح بتولّد كونٍ من عدم؟ إنّ كلّ تفسيرٍ علميٍّ يقدّمه العلم لا يُغني عن سؤال (الوجود)، بل يدفعنا إلى التفكير فيه بعمق أكبر.

وثانياً: إنّ الإيمان بالله - على خلاف ما يصوّره أصحاب هذا الإشكال المعروفين بـ(أصحاب مغالطة الله في الفجوات) - لا ينبع من الجهل بالأسباب الطبيعيّة، بل من استجابةٍ فطريّةٍ، ومن براهين عقليّةٍ متماسكةٍ، ومن تأمّلات في النظام الكونيّ الذي يشهد له العقلاء قديماً وحديثاً بالنظام والدقَّة

. فالعقل البشري يدرك أنّ انتظام الكون، وتعقيده، وارتباط أجزائه بعلاقاتٍ دقيقةٍ من السببيّة والضبط، لا يمكن أنْ يكون وليد المصادفة العمياء. هذا الإيمان لا يقوم على إغلاق باب التساؤل، بل على فتح باب التساؤل الأوسع: ما مصدر كلّ هذا النظام؟ مَن الذي أبدع هذه القوانين؟ ولماذا تسير الطبيعة وفق معادلاتٍ دقيقةٍ يمكن للعقل البشريّ أنْ يكتشفها ويتفاعل معها؟ فالمؤمن لا يعارض البحث العلميّ، بل يرى فيه امتداداً لتأمّله في خلق الله، ويعتبر أنّ كلّ تقدّمٍ علميٍّ هو كشفٌ جديدٌ عن أسرار الصنعة الإلهية.

وبعبارة أخرى: النظرة المتزنة والمتعمقّة تُظهر أنّ العلاقة بين الدين والعلم ليست علاقة خصومة، بل علاقة تكاملٍ وانسجام. فالدين لا يزاحم العلم في ميدانه، كما أنّ العلم لا يستطيع – بمفرده – أنْ يجيب عن الأسئلة الكبرى للوجود.

العلم يبحث في الظواهر، والدين يقدّم المعنى والغاية.

فكما أنّ العلم لا يستطيع أنْ يشرح لنا لماذا يكون للكون قانون، فإنّه لا يمكنه أيضاً أنْ يُثبت أو ينفي وجود خالقٍ يتجاوز الطبيعة. الدين في هذا السياق لا يلغي العلم، ولا يقف في وجهه، بل يمنحه إطاراً فلسفياً ومعنوياً يفسّر معناه وغايته؛ ولذلك، فإن كثيراً من العلماء البارزين في التاريخ – أمثال نيوتن وباسكال وآينشتاين – لم يروا في العلم تهديداً للإيمان، بل على العكس، وجدوا فيه دليلاً على وجود عقلٍ منظّمٍ يقف وراء هذا الكون العجيب.

وثالثاً: إنّ الله تعالى - بحسب الرؤية الإسلاميّة العميقة - لم يخلق العالم ثمّ تركه حتّى يعمل بصورةٍ آليّةٍ مستقلّةٍ، بل هو مسبّب الأسباب، وقيّومٌ على كلّ شيء، وكلّ قانونٍ طبيعيّ إنّما يعمل بقدرة الله وإرادته، فليس الله مجرد (العلّة الأولى) التي بدأت الحركة ثمّ انسحبت، كما يُظنّ، بل هو حاضرٌ في كلّ آن، وكلّ موجودٍ مفتقرٌ إليه وجوداً وبقاءً، وهو ما يُسمّى بالإمكان الفقريّ عند الفلاسفة. فكما أنّ الله خلق الأسباب، فهو أيضاً من يمكّنها من العمل، ويفيض عليها الوجود، وهذا يعني أنّ الطبيعة بكلّ ما فيها من قوانين وآليات لا تغني عن الله، بل تدلّ عليه، وتكشف عن حضوره العميق في تفاصيل الكون. فإن الإله ليس غائباً عن العالم، ولا منقطعاً عن حركة الكون، بل هو الحاضر في كلّ لحظة، الجاري في كلّ علّةٍ ومعلولٍ، المُفيض الوجود على كلّ شيء.

فالموحِّد الحقيقيّ هو من يُقِرّ بالأسباب الطبيعيَّة، ويؤمن في الوقت ذاته بأنّ هذه الأسباب مفتقرةٌ إلى الله، قائمةٌ به، لا تستقل بالفعل دون إرادته.

وبهذا يتضح: أنّ وجود سببٍ طبيعيٍّ لأيّ ظاهرةٍ – بما في ذلك نشأة الكون – لا ينفي وجود خالق، بل يُعيد طرح السؤال في مستوى أعمق: مَن الذي وضع هذا السبب؟ ومَن الذي جعل له القدرة على الإحداث والتأثير؟ وبذلك، يتبيّن أنّ الله ليس طارئاً على الجهل، ولا يُقصى مع المعرفة، بل هو أساس كلّ وجود، وعلّة كلّ نظام، ومنشأ كلّ قانون، ومصدر كلّ عقلٍ يدرك ويفكّر، فالعلم لا يُنكر الله، إلّا حين يتحوّل إلى أيديولوجيا، ويتجاوز حدوده المنهجيّة.

فإنّه يُفسّر كيف تعمل الظواهر، ولكنَّه لا يجيب عن سؤال: لماذا توجد أصلاً، ولا يستطيع - بمنهجه التجريبيّ - أنْ ينفذ إلى أعماق الوجود.

أمّا العقل، والفطرة، والشهود الباطنيّ، فهي أدوات الإنسان في معرفة الله، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]، وليس الله تعالى مجرّد (علّةٍ أولى)، بل هو حاضرٌ في كلّ لحظة، قائمٌ على كلّ شيء، ممسكٌ بنظام الوجود كلّه. فكلّ ما في الكون مفتقرٌ إليه وجوداً وبقاءً، ولا استقلال لأيّ شيءٍ عنه طرفة عين. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]، فالفقر إلى الله ليس مجرّد حاجةٍ في بداية الخلق، بل هو ملازمٌ لكلّ كائن- التي من جملتها القوانين التي أوجدها في نظام الكون- في كلّ آن؛ إذ لا قوام لوجودٍ إلّا بإمداده المستمر.

و الحمد لله ربّ العالمين.