منابع علوم الأئمة (ع)
السؤال: هل ذُكر في كتبنا الحديثية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ لديهم مصادر أخرى لعلومهم غير الكتاب والسنَّة النبويَّة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم –أيدك الله- أنَّ الوارد في بيانات العترة الطاهرة ما يدلُّ على تعدّد منابع معارف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وعلومهم، وقد دلَّت على ذلك جملةٌ وفيرةٌ من الأخبار، وهي على قسمين:
القسم الأول: العلم الوراثيّ:
ورث أئمة الهدى (عليه السلام) العلم بالكتاب والسنَّة المحمديَّة بتمام تفاصيلها ودقائقها، والعلوم التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه من لدن آدم (ع) إلى النبيّ الخاتم، فقد جُمعت في قلب النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعلَّمها وصيَّة عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام) وقد دلَّت على ذلك رواياتٌ كثيرةٌ نذكر بعضاً منها:
منها: ما رواه الصفار والكلينيُّ بالإسناد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « يمصّون الثماد ويدعون النهر العظيم ، قيل له ، وما النهر العظيم؟ قال : رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والعلم الّذي أعطاه الله ، إنّ الله عزّ وجلّ جمع لمحمّد ( صلى الله عليه وآله ) سنن النبيّين من آدم وهلّم جرّاً إلى محمّد ( صلى الله عليه وآله ) قيل له : ما تلك السنن ؟ قال : علم النبيّين بأسره ، وإنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) صيّر ذلك كلّه عند أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقال له رجلٌ : يا ابن رسول الله، فأمير المؤمنين أعلم أم بعض النبيّين؟ فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : اسمعوا ما يقول ؟ ! إنّ الله يفتح مسامع من يشاء ، إنّي حدّثته : أنّ الله جمع لمحمّد ( صلى الله عليه وآله ) علم النبيّين وأنّه جمع ذلك كلّه عند أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وهو يسألني أهو أعلم أم بعض النبيّين! » [بصائر الدرجات ج1 ص137، الكافي ج1 ص222].
ومنها: ما رواه الصفار والكليني بالإسناد عن المفضل قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): « إنّ سليمان ورث داود ، وإنَّ محمّداً ورث سليمان ، وإنّا ورثنا محمّداً وإنَّ هذا لهو العلم ؟ قال : ليس هذا هو العلم ، إنَّ العلم الّذي يحدث يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة» [بصائر الدرجات ج1 ص158، الكافي ج1 ص225].
ومنها: ما رواه الصفار والكلينيُّ والصدوق بالإسناد عن أبي بصير قال: «دخلتُ على أبى عبد الله (عليه السلام) فقلتُ له: إنّى أسئلك جعلت فداك عن مسألةٍ، ليس هيهنا أحدٌ يسمع كلامي؟
فرفع أبو عبد الله (عليه السلام) ستراً بيني وبين بيتٍ آخر فاطلع فيه ثم قال: يا أبا محمد، سل عمَّا بدا لك.
قال: قلتُ: جُعلتُ فداك، إنَّ الشيعة يتحدثون أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علَّم علياً (عليه السلام) باباً يُفتح منه ألف باب! قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا محمد، علَّم – والله- رسولُ الله عليَّاً ألف بابٍ يفتح له من كلّ بابٍ الف بابٍ. قال: قلتُ له: والله هذا لعلم!
فَنَكتَ ساعةً في الأرض ثم قال: إنَّه لعلمٌ وما هو بذلك. ثم قال: يا أبا محمد، وإنَّ عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلتُ: جُعلِتُ فداك، وما الجامعة؟
قال: صحيفةٌ طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإملاء مِنْ فلقِ فيه، وخطّ علىٍّ بيمينه، فيها كلُّ حلالٍ وحرامٍ، وكلُّ شيءٍ يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش، وضرب بيده إليَّ فقال: تأذن لي يا أبا محمد؟
قال: قلتُ جعلتُ فداك! إنَّما أنا لك اصنع ما شئت.
قال: فغمزني بيده فقال: حتى أرش هذا - كأنَّه مُغضِب – قال: قلتُ: جعلت فداك هذا والله العلم قال إنه لعلم وليس بذلك ثم سكت ساعة قال إن عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر مسك شاة أو جلد بعير قال قلت جعلت فداك ما الجفر قال وعاء احمر أو ادم احمر فيه علم النبيين والوصيين قلت هذا والله هو العلم قال إنه لعلم وما هو بذلك ثم سكت ساعة ثم قال وان عندنا لمصحف فاطمة عليه السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة قال مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلت مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد إنما هو شئ املاها الله وأوحى إليها قال قلت هذا والله هو العلم قال إنه لعلم وليس بذاك قال ثم سكت ساعة ثم قال إن عندنا لعلم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة قال قلت جعلت فداك هذا والله هو العلم قال إنه لعلم وما هو بذاك قال قلت جعلت فداك فأي شئ هو العلم قال ما يحدث بالليل والنهار الأمر بعد الامر والشئ بعد الشئ إلى يوم القيمة» [بصائر الدرجات ج1 ص172، الكافي ج1 ص239، الأمالي ص737، الخصال ص572].
القسم الثاني: العلم اللدُنّيّ
وهو لطفٌ إلهي يخصّ به من يشاء من عباده الصدّيقين، بطرقٍ غير معتادة، كما أُشير إليه في كتاب الله تعالى بقوله: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65].
وقد وصفه الإمام الصادق (عليه السلام) وصفًا دقيقًا حين سأله عمّار الساباطي قائلًا: هل الإمام (عليه السلام) يعلم الغيب؟ قال:«لا، ولكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله« [الكافي ج1، ص257] وله طرقٌ متعددة، نذكر منها ما يأتي:
1ـ أن علمهم (عليهم السلام) يُتَنزّل في ليلة القدر
إن العلم يُلقى إلى أئمة الهدى (عليهم السلام) في ليلة القدر، بما يكون في السنة من خير أو شر، أو موت أو حياة، وبيانه فيما يلي:
منها: ما رواه الصفّار بسنده، عن هشام، قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): قولُ الله تعالى في كتابه {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}؟
قال: «تلك ليلة القدر، يُكتب فيها وفدُ الحاج، وما يكون فيها من طاعة أو معصية، أو موت أو حياة، ويُحدث الله في الليل والنهار ما يشاء، ثم يُلقيه إلى صاحب الأرض».قال الحارث بن المغيرة البصري: قلتُ: ومن صاحب الأرض؟
قال:«صاحبكم»[بصائر الدرجات ج1، ص241].
ومنها: ما رواه الصفّار بسنده، عن المعلّى بن خُنَيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام):«إذا كانت ليلة القدر كَتَبَ الله فيها ما يكون، ثم يُرينيه».قال: قلتُ: إلى من؟
قال:«إلى من ترى يا أحمق« [بصائر الدرجات ج1، ص242]
2ـ أن علمهم (عليهم السلام) يُتلقّى بواسطة عمود من نور
منها: ما رواه الصفّار بسنده، عن إسحاق الحريريّ، قال: كنتُ عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فسمعتُهُ يقول: «إنّ لله عمودًا من نور، حجبَه الله عن جميع الخلائق، طرفه عند الله، وطرفه الآخر في أُذن الإمام، فإذا أراد الله شيئًا أوحاه في أُذن الإمام« [بصائر الدرجات ج1، ص459]
ومنها: ما رواه الكليني بسنده، عن محمد بن مروان، قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنّ الإمام ليسمع في بطن أمّه، فإذا وُلِد خُطَّ بين كتفيه: {وتمّت كلمةُ ربك صدقًا وعدلًا لا مبدّلّ لكلماته وهو السميع العليم}. فإذا صار الأمر إليه جعل الله له عمودًا من نور، يُبصر به ما يعمل أهلُ كلّ بلدة« [الكافي ج1، ص387].
3ـ إنَّ علمهم (عليهم السلام) يُتلقّى بواسطة النقر في الأسماع
منها: ما رواه الكلينيُّ بسنده، عن المفضّل بن عمر، قال: قلتُ لأبي الحسن (عليه السلام): روينا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: "إنّ علمَنا غابرٌ ومزبورٌ، ونكتٌ في القلوب، ونقرٌ في الأسماع"؟ قال: «أما الغابر، فما تقدّم من علمنا، وأما المزبور، فما يأتينا، وأما النكت في القلوب فإلهام، وأما النقر في الأسماع فأمر الملَك» [الكافي ج1، ص264].
ومنها: ما رواه الكليني بسنده، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام):قلتُ: أخبرني عن علمِ عالمكم؟ قال:«وراثةٌ من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن علي (عليه السلام) قلت:إنا نتحدث أنه يُقذف في قلوبكم، ويُنكت في آذانكم؟ قال: أوَ ذاك [الكافي ج1، ص264].
4ـ أن علمهم (عليهم السلام) يُتلقّى بواسطة الإلهام
منها: ما رواه الصفّار والمفيد بالإسناد، عن علي بن يقطين، قال: قلتُ لأبي الحسن (عليه السلام): علمُ عالمكم، استماعٌ أو إلهام؟ قال: «يكون سماعًا، ويكون إلهامًا، ويكونان معًا« [بصائر الدرجات ج1، ص337، الاختصاص، ص286]
ومنها: ما رواه الصفّار بسنده، عن الحسن بن العباس بن حريش، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:«إنّ لنا في ليالي الجمعة لشأنًا من الشأن« قلت: جُعلتُ فداك، أيّ شأن؟ قال:«تُؤذن للملائكة والنبيين والأوصياء الموتى، وأرواح الأوصياء، والوصي الذي بين ظهرانيكم، فيُعرج بها إلى السماء، فيطوفون بعرش ربهم أسبوعًا، وهم يقولون: "سبّوح قدّوس، ربّ الملائكة والروح"، حتى إذا فرغوا صلّوا خلف كلّ قائمة له ركعتين، ثم ينصرفون، فتنصرف الملائكة بما وُضع الله فيها من الاجتهاد، شديدة عظامهم لما رأوا، وقد زيد في اجتهادهم وخوفهم مثله، وينصرف النبيّون والأوصياء وأرواح الأحياء، شديدةٌ محبتهم وقد فرحوا أشدّ الفرح لأنفسهم، ويُصبح الوصي والأوصياء قد أُلهِموا إلهامًا من العلم علمًا جمًّا مثل الجم الغفير، ليس شيء أشدّ سرورًا منهم. اكتم، فوالله، لهذا أعزّ عند الله من كذا وكذا عندك حصنة«
قال:« يا محبور، والله ما يُلهم الإقرار بما ترى إلا الصالحون».
قلت:والله ما عندي كثير صلاح.
قال:«لا تكذب على الله، فإنّ الله قد سمّاك صالحًا حيث يقول: {أُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}. يعني: الذين آمنوا بنا، وبأمير المؤمنين، وملائكته، وأنبيائه، وجميع حججه عليه وعلى محمد وآله الطيبين الطاهرين الأخيار الأبرار، السلام« [بصائر الدرجات ج1، ص151].
5ـ أن علمهم (عليهم السلام) يُتلقّى بواسطة التحديث
منها: ما رواه الكليني والصدوق بالإسناد، عن محمد بن إسماعيل، قال: سمعتُ أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «الأئمّة علماء، صادقون، مُفهَّمون، مُحدَّثون" [الكافي ج1، ص271؛ عيون أخبار الرضا، ص22].
ومنها: ما رواه الكلينيُّ بسنده، عن عبيد بن زرارة، قال: أرسل أبو جعفر (عليه السلام) إلى زرارة: أنْ أعلم الحكم بن عتيبة أنَّ أوصياء محمد (عليهم السلام) محدَّثون [الكافي ج1، ص270.]
5ـ أن علمهم (عليهم السلام) يُتلقّى بواسطة روح القدس
منها: ما رواه الصفّار والكلينيُّ بالإسناد، عن أبي بصير، قال : سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى : {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} قال : خلق من خلق الله (عزَّّ وجلَّ) أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده» [بصائر الدرجات ج1 ص475، الكافي ج1 ص273].
ومنها: ما رواه الكليني بسنده عن أبي بصير قال: سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} قال : خلقٌ أعظم من جبرئيل وميكائيل ، لم يكن مع أحدٍ ممََّن مضى غير محمدٍ (صلى الله عليه وآله) وهو مع الأئمة يسدّدهم ، وليس كلّ ما طُلِبَ وُجِد»[الكافي ج1 ص273].
نكتفي بهذا القدر والحمد لله أولاً وآخراً
اترك تعليق