اعتراض القاضي عبد الجبّار وابن تيمية على الله!

السؤال: قال أحد أحفاد فاطمة (عليها السلام) لأبي عبد الله محمد بن عليّ بن زيد بن رزام الطائيّ الكوفيّ: إنّهم على يقين بأنّ فاطمة حصّنت فرجها؛ لذا حُرّمت ذرّيتها على النار. فردّ ابن رزام متسائلاً: إذاً كانت حوّاء قد زنت، مشيراً إلى أنّها كانت أيضاً حصينة، ممّا يعني أن ذريتها محرّمة على النار، فسكت. فما قولكم في هذا الكلام؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه الشبهة قديمة جدّاً - كما سيتّضح - وقبل الإجابة عنها لابدّ من نقلها نصّاً؛ لأنّ تقريرها في السؤال فيه من الاضطراب الشيء الكثير.

قال القاضي عبد الجبّار المعتزليّ (ت415هـ) ما نصّه: (ولقد قال عظيمٌ من ولد فاطمة (ع) وملك من ملوكهم لأبي عبد الله محمد بن عليّ بن زيد بن رزام الطائي الكوفيّ: نحن أمرنا على يقين، فإنّ فاطمة أُمُّنا حصّنت فرجها فحرّم الله ذريتها على النار!. فقال له ابن رزام: فهل بلغك أن حوّاء زنت قط؟ ما كانت إلّا حصينة الفرج، فذريّتها محرّمة على النار؟!، فسكت. وهو كما قال ابن رزام) [تثبيت دلائل النبوة ج2 ص553]، ومن الواضح أنّ القاضي قد تبنّى الشبهة المذكورة؛ لذا قال: (وهو كما قال ابن رازم).

وقد تابعه عليها ابن تيمية (ت 728هـ) في معرض ردّه للحديث المرويّ عن الإمام الرضا (ع) فقال: (والحديث الذي ذكره عن النبيّ (ص) عن فاطمة هو كذبٌ باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ويظهر كذبه لغير أهل الحديث أيضاً، فإنّ قوله: «إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله ذرّيتها على النار» يقتضي أنّ إحصان فرجها هو السبب لتحريم ذريتها على النار، وهذا باطلٌ قطعاً، فإنّ سارة أحصنت فرجها، ولم يحرّم الله جميع ذرّيتها على النار...) [منهاج السنّة ج4 ص62] ومراده بــ (سارة) هي زوجة النبيّ إبراهيم وأم إسحاق (ع).

وإذن.. خلاصة الشبهة: أنّ هنالك من يزعم نجاة عموم ذريّة مولاتنا فاطمة (ع) من النار بسبب إحصانها لفرجها؛ مستنداً بذلك إلى حديث مروي عن النبيّ (ص)، فردّ عليه القاضي وابن تيمية بأنّ حوّاء وسارة كذلك أحصنتا فرجيهما فلازم كلامك أنْ تكون ذريّتهما محرّمة على النار أيضاً مع أنّه لا قائل بذلك، كما أنّ الواقع يكذّبه فإنّ الكثير من ذرية آدم وحوّاء (ع) هم في النار وفي طليعتهم ابنهما الصلبيّ قابيل الذي قتل أخاه هابيل، كما أنّ الله تعالى قال في إبراهيم (عليه السلام): ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافّات: 113]، والظالم المبين من أهل النار بلا إشكال.

وفي مقام الجواب سيتّضح لك أخي القارئ الكريم أنّ كلّ من تبنّى هذه الشبهة لا يخلو إمّا أن يكون جاهلاً، أو منافقاً يتظاهر بالجهل، أو كافراً بالله العظيم، وبيان ذلك يتمُّ من جهات أربع:

الجهة الأولى: ورود الحديث في كتب السنّة المعتبرة:

فقد أخرج البزّار والحاكم وابن شاهين عن عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان قالا: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم اللهُ ذرّيتَها على النار» وفي لفظ: «حصّنت فرجها فحرّمها الله وذرّيتها عن النار» وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) [مسند البزّار ج5 ص223، المستدرك ج3 ص152، فضائل فاطمة لابن شاهين ص25].

ولهذا الحديث شواهد في كتب القوم، منها - مثلاً - ما أخرجه المحبّ الطبريّ بالإسناد عن عليّ (عليه السلام) قال: « قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) لفاطمة: يا فاطمة تدرين لم سُمِّيتِ فاطمة؟ قال عليٌّ: يا رسول الله لم سُمِّيَتْ فاطمة؟، قال: إنّ الله عزّ وجلّ قد ‌فطمها ‌وذريتها عن النار يوم القيامة) [ذخائر العقبى ص36]، وللمزيد حول هذا الحديث ينظر جواب سابق بعنوان: «إنّ فاطمة حرّم اللَّه ذرّيتها على النّار». وبذلك يتّضح أنّ الحديث ليس من بدع الرافضة وموضوعاتهم!.

الجهة الثانية: ذلك فضل الله:

لقد اتّفقت كلمات علماء المذاهب الإسلاميّة بلا خلاف على أنّ العطاء الإلهيّ يوم القيامة يكون على ثلاثة أنحاء:

الأوّل: الجزاء والثواب: وقد عرّفوه بأنّه: (النفع المستحقُّ المقارن للتعظيم والإجلال، والذي يستحيل الابتداء به فلا يقع إلّا بتوسّط التكليف فيه) [الباب الحادي عشر ص86].

الثاني: العِوَض: وقد عرّفه المرتضى بأنّه: (النفع المستحقّ المقابل للمضارّ بلا تعظيم) [الرسائل ج2 ص278].

الثالث: التفضُّل: ويُراد به: (النفعُ غيرُ المستحقّ، الواقعُ ابتداءً على جهة الإحسان فلا يستتبع تعظيماً وتبجيلاً) [ينظر: رسائل المرتضى ج2 ص266، تفسير التبيان ج3 ص13]، فهذا النوع من العطاء يأتي ابتداءً ومن دون استحقاق، أيْ: يقع بلا مقابل. وللمزيد حول أنحاء العطاء الإلهيّ يلاحظ ما ذكرناه حول جناحي أبي الفضل العبّاس (ع) في جواب سابق بعنوان: «فأبدله الله - عزَّ وجلَّ - بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة».

فإذا عرفت ذلك، فإنّ أجر مولاتنا فاطمة (ع) على إحصانها لفرجها هو الجنّة، وما زاد على ذلك من تحريم ذرّيتها على النار إنّما هو نوع تفضّلٍ عليها وإحسان من الله تعالى إليها ورحمة اختصّها وذرّيتها بها دون غيرها من نساء العالمين، وليس الواجب على الله تعالى أن يسوّي بينها وبين حوّاء وسارة في ذلك، بل الأمر كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105]، وكما قال أيضاً: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: 38]، فالله تعالى له الحقّ في أن يختصّ برحمته ويعطي من مُلكه ورزقه مَن يشاء من عباده، وله أن يمنع ذلك عمّن يشاء، ولا حاكمية لأحد عليه، ومن أبى ذلك فأنكره واعترض على الله تعالى فقد كفر، ومنه يظهر لك حال القاضي عبد الجبّار وابن تيمية، فتدبّر جيّداً.

الجهة الثالثة: امتناع المقايسة بفاطمة (ع):

لقد كانت عقيدة المسلمين قائمةً على عدم جواز مقايسة أحدٍ من الناس بعموم أهل البيت الأطهار (ع)؛ لإيمانهم بعظيم مقامهم، والتزاماً منهم بما نطقت به أخبار الفريقين، فقد أخرج الديلميّ والمحبّ الطبريّ والمتّقي الهنديّ وغيرهم عن أنس بن مالك عن النبيّ (ص) قال: «نحن أهل بيت لا يُقاس بنا أحد» وأخرج ابن عساكر مثله عن عليّ (ع) [الفردوس ج4 ص283، ذخائر العقبى ص17، كنز العمال ج12ص104، تاريخ دمشق ج30 ص361].

ولقد كان الأمر واضحاً لدى الرعيل الأوّل من المسلمين، فقد روى علماء السنّة بإسنادهم عن أبي وائل عن عبد الله بن عمر قال: «كنّا إذا عَدَدْنا أصحاب النبيّ (ص) قلنا: أبو بكر وعمر وعثمان، فقال رجلٌ لابن عمر: فَعَلِيٌّ ما هو؟ قال: إنَّ عليَّاً من أهلِ البيت لا يُقاس به أحد، هو مع رسول الله (ص) في درجته، إنّ الله يقول: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}، ففاطمة مع أبيها (ص) في درجته وعليٌّ معهما مع الحسن والحسين» [ينظر: الجامع لعلوم الإمام أحمد ج4 ص347].

ولقد مضى المسلمون على ذلك فها هو عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل يقول: (حدّث أبي بحديث سفينة فقلت: يا أبه، ما تقول في التفضيل؟ قال: في الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان. فقلت: فعليّ بن أبي طالب؟ قال: يا بني، عليّ بن أبي طالب من ‌أهل ‌بيتٍ ‌لا ‌يقاس بهم أحد) [مناقب الإمام أحمد ص219].

ولكن القاضي عبد الجبار وابن تيمية وعموم السلفيّة لم يتورّعوا في ذلك وخالفوا النبيّ (ص) في الكثير من المواضع، ومنها ما نحن فيه حيث قاموا بالمقايسة بين فاطمة (ع) وبين حوّاء وسارة، مع علمهم بأنّها أعظم سيّدات أهل البيت (ع) وأنّها سيّدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنّة بلا منازع، ومن دون خلافٍ بين المسلمين في ذلك كلّه، فهل الإصرار منهم على المقايسة الممنوعة إلّا عين الفسق والنفاق؟!.

الجهة الرابعة والأخيرة: اختصاص التحريم بالمولودين من بطنها (ع):

إنّ المراد من ذرّية فاطمة التي حرّمها الله على النار هم خصوص المولودين من بطنها، وهم الحسن والحسين وزينب وأمّ كلثوم (ع)، كما صرّحت بذلك أخبار العترة الطاهرة [ينظر: معاني الأخبار ج1 ص107]، ولا يشمل الحديث أحداً غيرهم، وقد أوردنا بعضاً من تلك النصوص وأوضحناها مفصّلاً فيما أشير إليه من جواب سابق بعنوان: «إنّ فاطمة حرّم اللَّه ذريتها على النّار» فليلاحظ.

ومن الواضح أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة بلا خلاف، وأمّا زينب وأمّ كلثوم فأنت لا تجد جاهلاً من جُهّال المسلمين فضلاً عن علمائهم يستطيع أن يتجرّأ فيدّعي كون مصيرهما إلى النار، هذا مضافاً إلى ما تشهد به السيرة الناصعة لهاتين السيّدتين العظيمتين وما عُرف عنهما من جلالة قدرهما وعُلوّ مرتبتهما، وبهذا يظهر لك أنّ الحديث الشريف يحكي عقيدة المسلمين جميعاً في ذرّية فاطمة (ع)، ولا ينكر مضمونه إلّا النواصب فتدبّر جيّداً.

والخلاصة من جميع ما تقدّم: أنّ ما ذكره القاضي عبد الجبار وتابعة عليه ابن تيمية لا يتعدّى عن كونه شبهة أثاروها للتشويش على عقيدة واضحة من عقائد المسلمين، والحمد لله ربّ العالمين.