أثر الاعتقاد في سلوك الفرد والمجتمع
السؤال: ما أثر الاعتقاد في توجيه السلوك الإنساني، وكيف يتجلى الإيمان في الدعوة الدينية؟
الجواب:
إنَّ الإيمان بالله تعالى يُشبه شجرةً طيبةً، كلما تعمقت جذورها وتفرعت أغصانها، أثمرت ثمارًا يانعة ونافعة. وكما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «إنّ هذه القلوب أوعيةٌ، فخيرها أوعاها» [نهج البلاغة ص339]؛ لذلك تختلف آثار العقيدة بين الأفراد والمجتمعات تبعًا لعمق تجذّرها في النفوس.
ويمكن ذكر جملة من الآثار:
القسم الأول: آثار العقيدة في حياة الفرد:
1ـ التحرر من العبودية لغير الله:
إن الإيمان بعقيدة التوحيد يحرّر الإنسان من كلِّ أشكال العبوديَّة للبشر أو القوى الماديَّة أو أهواء النفس. فالله تعالى هو {الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، وخضوع المؤمن له وحده يحرره من الخضوع لما سواه. وكما أشار أمير المؤمنين (عليه السلام): «من قام بشرائط العبوديَّة أهلٌ للعتق، من قصّر عن أحكام الحريّة أُعيد إلى الرق» [عيون الحكم ص450].
2ـ الطمأنينة والسكينة النفسيَّة
تزرع العقيدة الإيمانيَّة في نفس الإنسان طمأنينةً عميقةً تُبعد عنه القلق واليأس. فالله تعالى يقول: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. وقد فسَّر الطبرسيُّ هذه الطمأنينة بأنها تنبع من اليقين بصدق وعد الله تعالى [مجمع البيان ج6 ص36].
3ـ يقظة الضمير والمراقبة الذاتية
تُثمر العقيدة يقظةً مستمرةً في الضمير، حيث يراقب المؤمن نفسه وأفعاله لاعتقاده أنَّ الله مطلعٌ على كلّ شيء. قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]. وأشار الإمام الحسين (عليه السلام): «عَميتْ عينٌ لا تراك، ولا تزالُ عليها رقيبًا» [بحار الأنوار ج64 ص142].
4ـ الزهد في الدنيا والتعلق بالآخرة:
يُنتج الإيمان زهدًا حقيقيًا في متاع الدنيا وانشدادًا صادقًا إلى ما عند الله. وقد جسَّد القرآن هذا المعنى في وصف الأنصار: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]. فالزهد الحقيقيُّ هو الانفصال النفسيُّ عن الدنيا، كما قال تعالى: {لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 23].
5ـ الأخلاق الفاضلة:
يُثمر الإيمان مكارم الأخلاق كالأمانة والصدق والعدل. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا} [النساء 58]. وأكَّد النبيُّ (صلى الله عليه وآله) ذلك بقوله: «لا إيمان لمن لا أمانة له» [بحار الأنوار ج72 ص198]. كما أمر الله بالصدق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].
كما يُربّي الإيمان النفس على التسامح والعفو، قال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13]، وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «إنّ حُسن الخُلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم» [الكافي ج2 ص103].
أيضاً يولّد الإيمان الحق شجاعة وإقدامًا في سبيل الله. قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات 15]. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنَّة، فتحه الله تعالى لخاصّة أوليائه» [شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص74].
القسم الثاني: آثار العقيدة على المجتمع:
1ـ الوحدة والإخاء:
تؤسس عقيدة التوحيد لوحدة المجتمع الإيمانيّ قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه، ولا يظلمه، ولا يغشُّه» [الكافي ج2 ص167].
2ـ الموالاة الإيمانيَّة:
تنشئ العقيدة رابطة الولاء بين المؤمنين. قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وشبَّه النبيُّ (صلى الله عليه وآله) المؤمنين بالجسد الواحد: «إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى» [بحار الأنوار ج20 ص142].
3ـ المساواة:
تقرر العقيدة مبدأ المساواة بين البشر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1]. وقال النبيُّ (صلى الله عليه وآله): «الناس كلّهم كأسنان المشط» [بحار الأنوار ج58 ص65].
4ـ العزة الإيمانيَّة:
تمنح العقيدة المؤمنين عزَّةً حقيقيةً قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]، وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الله فوّض إلى المؤمن أموره كلّها، ولم يفوّض إليه أنْ يكون ذليلًا» [الكافي ج5 ص63].
5ـ الرقيُّ والازدهار الحضاريُّ
تُحقق العقيدة الحياة الطيبة الموعودة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97]. فالإسلام يُعنى بالجانب الماديّ بقدر عنايته بالجانب الروحيّ، مما يُنتج نموذجًا حضاريًا متكاملاً.
6ـ الاستقرار السياسيّ والاجتماعيّ
تُحقق العقيدة الاستقرار من خلال إقامة العدل، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]، وقال الإمام عليٌّ (عليه السلام): «ما عُمِّرت البلدان بمثل العدل» [عيون الحكم والمواعظ ص481].
وفي الختام، العقيدة الإيمانية ليست مجرد معتقدٍ نظريٍّ، بل قوةٌ دافعةٌ تُحدث تحولاً جذريًا في سلوك الأفراد والمجتمعات، فهي تُحرّر الإنسان من عبودية المخلوقين، وتمنحه طمأنينةً نفسيَّةً، وتُزكّي أخلاقه، وتربطه برباط المحبَّة والإخاء مع المؤمنين، وتُحقق العدالة والاستقرار في المجتمع.
إنَّ أسمى غايات ثمار الإيمان هو إخراج الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى نور المعرفة والهداية، كما قال تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]، فالدعوة إلى الله هي وسيلة تحقيق هذا المقصد السامي، والعقيدة الراسخة هي الأساس المتين لبناء الفرد الصالح والمجتمع المتقدم.
اترك تعليق