هل صحَّ حديث أبي بلج؟
السؤال: هل صحَّ حديث أبي بَلْج الذي يُنقل فيه جملةً من مناقب وفضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير الأخ السائل إلى ما رواه جمعٌ من علماء العامَّة، ومنهم أحمد بن حنبل قال:
(حدَّثنا يحيى بن حماد، حدَّثنا أبو عَوَانة، حدَّثنا أبو بَلْج، حدَّثنا عمرو بن ميمونة قال: إني لجالس إلى ابن عبَّاس إذْ أتاه تسعة رهط، فقالوا: يا أبا عبَّاس، إمَّا أنْ تقوم معنا وإمَّا أنْ يخلونا هؤلاء، قال: فقال ابن عبَّاس: بل أقوم معكم، قال: ـ وهو يومئذٍ صحيح قبل أنْ يعمى ـ قال: فابتدأوا فتحدَّثوا، فلا ندري ما قالوا، قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: أفٍّ وتفٍّ! وقعوا في رجلٍ له عشر.
وقعوا في رجلٍ قال له النبي (ص): لأبعثنَّ رجلاً لا يخزيه الله أبداً، يحب الله ورسوله، قال: فاستشرف لها من استشرف، قال: أين عليٌّ؟ قالوا: هو في الرحل يطحن، قال: وما كان أحدكم ليطحن؟! قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد يُبصر، قال: فنفث في عينيه ثمَّ هزَّ الراية ثلاثاً فأعطاها إياه فجاء بصفية بنت حيي.
قال: ثمَّ بعث فلاناً [أبا بكر] بسورة التوبة، فبعث علياً خلفه، فأخذها منه، قال: لا يذهب بها إلَّا رجل مني، وأنا منه.
قال: وقال لبني عمِّه: أيُّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ قال: وعليٌّ معه جالس، فأبوا، فقال عليٌّ: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. قال: أنت وليي في الدنيا والآخرة، قال: فتركه، ثمَّ أقبل على رجلٍ منهم، فقال: أيُّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ فأبوا، قال: فقال عليٌّ: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. فقال: أنت وليي في الدنيا والآخرة.
قال: وكان أوَّل من أسلم من الناس بعد خديجة.
قال: وأخذ رسول الله (ص) ثوبه فوضعه على عليٍّ وفاطمة وحسن وحسين، فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: 33].
قال: وشرى عليٌّ نفسه، لبس ثوب النبي (ص) ثمَّ نام مكانه، قال: وكان المشركون يرمون رسول الله (ص)، فجاء أبو بكر وعليٌّ نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنه نبيُّ الله، قال: فقال: يا نبيَّ الله، قال: فقال له عليٌّ: إنَّ نبيَّ الله (ص) قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، قال: وجعل عليٌّ يُرمى بالحجارة كما كان يُرمى نبيُّ الله وهو يتضوَّر، قد لفَّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتَّى أصبح، ثمَّ كشف عن رأسه، فقالوا: إنك للئيم، كان صاحبك نرميه فلا يتضوَّر، وأنت تتضوَّر، وقد استنكرنا ذلك.
قال: وخرج بالناس في غزوة تبوك، قال: فقال له عليٌّ: أخرج معك؟ قال: فقال له نبي الله: لا، فبكى عليٌّ، فقال له: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنك لست بنبي، إنه لا ينبغي أنْ أذهب إلَّا وأنت خليفتي.
قال: وقال له رسول الله (ص): أنت وليي في كلِّ مؤمنٍ بعدي. وقال: وسدَّ أبواب المسجد غير باب عليٍّ، فقال: فيدخل المسجد جُنباً، وهو طريقه ليس له طريق غيره.
قال: وقال: من كنتُ مولاه، فإنَّ مولاه علي.
قال: وأخبرنا الله (عزَّ وجلَّ) في القرآن أنه قد رضي عنهم ـ عن أصحاب الشجرة ـ فعلم ما في قلوبهم، هل حدَّثنا أنه سخط عليهم بعد؟! قال: وقال نبي الله (ص) لعُمر حين قال: ائذن لي فلأضرب عنقه. قال: وكنت فاعلاً؟! وما يدريك، لعلَّ الله قد اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم) [مسند أحمد ج3 ص331، فضائل الصحابة ج2 ص682، وخصائص عليٍّ للنسائيّ ص47، الشريعة ج4 ص2021، تاريخ دمشق ج42 ص101، وغيرها].
إذا بان هذا، فلنعقد الكلام في جهتين:
الأولى: في ترجمة رواة الحديث.
فإنّ يحيى بن حماد هو ابن أبي زياد، الإمام الحافظ الشيبانيّ، ثقة، وشيخه أبو عَوَانة، هو الحافظ الثبت الوضاح بن عبد الله الواسطيّ، ثقة، وعمرو بن ميمون، هو الحافظ الثقة، عن حبر الأمَّة عبد الله بن عبَّاس الصحابيِّ المعروف. [ينظر تراجمهم في كتاب: تقريب التهذيب].
وأمَّا أبو بَلْج: فهو يحيى بن سُليم ـ أو بن أبي سُليم ـ الفزاريّ الواسطيّ، وثَّقه جمعٌ من أعلام الجرح والتعديل عندهم، منهم: (ابن معين، وابن سعد، والنسائيّ، والدارقطني. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس به. وقال يزيد بن هارون: رأيته كان يذكر الله كثيراً) [يُنظر: ميزان الاعتدال ج4 ص384].
ولهذا حكم كثيرٌ من علماء أهل السنّة باعتبار إسناد الحديث، فقد صحّحه الحاكم النيسابوريّ ووافقه الحافظ الذهبيّ [ينظر: المستدرك ج3 ص143]، وقال الهيثميّ: (رواه أحمد، والطبرانيُّ في الكبير والأوسط باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بَلْج الفزاريِّ، وهو ثقة، وفيه لين) [مجمع الزوائد ج9 ص120]، وقال المحقق أحمد شاكر: (إسناده صحيح) [هامش مسند أحمد ج3 ص331]. كما أنّ المحدّث الألبانيّ حسّن إسناد الحديث؛ إذ علَّق على سندٍ فيه (يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن يحيى بن سُليم أبي بَلْج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبَّاس) بقوله: (إسناده حسنٌ، ورجاله ثقات، رجال الشيخين غير أبي بَلْج واسمه يحيى بن سُليم بن بَلْج، قال الحافظ: صدوق ربما أخطأ) [ينظر: كتاب السنة ومعها ظلال الجنة ج2 ص565].
الجهة الثانية: في دلالة الحديث.
فإنَّ الملاحَظ في هذا الخبر هو بيان جملةٍ وافرةٍ من مناقب وفضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على لسان ابن عبَّاس، ذكرها ردٍاً على بعض المنافقين الذين ذكروا أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسوء، ومنها ما يدلُّ على إمامته وخلافته بعد النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، كما هو واضحٌ وبيِّن.
والنتيجة النهائيَة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ حديث أبي بَلْج من الأحاديث الصحيحة عند القوم، كما بيَّناه مفصّلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق