دلالة حديث السفينة
السؤال: ما هي دلالات حديثِ السفينة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يُعدُّ حديث السفينة من الأحاديث المشهورة عند المسلمين، وقد ورد من طريق ثمانيةٍ من الصحابة، وهو حديثٌ معتبرٌ؛ من جهة إسناده ومن جهة تعدّد طُرقه، كما صرّح بذلك جمعٌ من علماء السنّة، كما أوضحناه في جوابٍ سابقٍ بعنوان: (صحةُ حديث السفينة).
وذكرنا أنّ الحديث مشهورٌ من طريق أبي ذرّ الغفاريّ، وقد حدّث به وهو متعلّقٌ بالكعبة أمام جماهير المسلمين، مُبتدئاً بالتعريف بنفسه، وهذا يكشف عن اهتمامٍ بالغٍ منه في إيصال مضمونه للناس.
قال العلّامة الطيبيّ: (قوله: «وهو آخذٌ بباب الكعبة»، أراد الراويُ بهذا مزيد توكيدٍ لإثبات هذا، وكذا أبو ذرّ اهتمّ بشأن روايتِه، فأورده في هذا المقام على رؤوس الأنام ليتمسّكوا به. وفي روايةٍ له بقوله: «مَن عرفني فأنا مَن قد عرفني، ومَن أنكرني فأنا أبو ذرّ، سمعتُ النبيّ (ص) يقول: ألا إنّ مثلَ أهلِ بيتي… الحديث». أراد بقوله: «فأنا أبو ذرّ» المشهور بصدق اللهجة وثقة الروايةِ، وأنّ هذا حديثٌ صحيحٌ لا مجالَ للردّ فيه، وهذا تلميحٌ إلى ما روينا عن عبد الله بن عمرو بن العاصِ يقول: «سمعتُ رسولَ الله (ص) يقول: ما أظلّتِ الخضراءُ، ولا أقلّتِ الغبراءُ، أصدقُ من أبي ذرّ». وفي رواية أبي ذرّ: «من ذي لهجةٍ أصدقُ ولا أوفى من أبي ذرّ شبهِ عيسى بنِ مريم»، فقال عمر بن الخطاب ـ كالحاسد ـ: يا رسول الله أتعرفُ ذلك؟ قال: ذلك فاعرفوه…) [شرح المشكاة ج١١ ص٣١٦].
والحديث واضح الدلالة على انحصار النجاة باتباع أهل البيت (ع)، فلا يكون اتّباع غيرهم مُنجياً؛ إذ إنّ النبيّ (ص) شبّه المشهدَ الذي سيجري من بعده – من بدعٍ وفتنٍ وضلالاتٍ وانحرافاتٍ – بمشهد الطوفانِ الذي جرى على قومِ النبيّ نوح (ع)، حيث استولى الماءُ على الأرض بهيئته المهولة والمرعبة، وظلماته المتراكمةِ، وأمواجه المتلاطمة العظيمة كالجبالِ؛ فأغرق وأردى القومَ وحصدهم حصيداً، وشبّه وجود أهل البيت (ع) ودورهم في الأمّةِ بسفينة نوحٍ (ع) في قومه، فكما كانت السفينةُ هي الوسيلة الوحيدة للنجاة والخلاص حيث لا منجى من الغرقِ والهلاكِ الحتميَّين كما نصّ القرآن الكريم؛ كذلك لا خلاص ولا مناص لنجاة أحدٍ من أمتِه (ص) من الضلال والخسران الحتميَّين إلّا باتباع أهل البيت (ع) والتمسّك بهديِهم، والأخذ عنهم لا عن غيرهم.
فمَن يزعم وجود طريقٍ آخر للنجاة باتّباع غير أهل البيت (ع)، فيكونُ حالُه كحال ابن نوح (ع) الذي زعم أنّ الجبل عاصمُه من الماء والغرق، فجاءه الردُّ الواضح الجازم والحاسم أنْ لا عاصمَ من الغرق والهلاك، قال تعالى:{وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 41ـ٤٣].
وبهذا يتبيّنُ عدم جواز اتّباع غير أهل البيت (ع)؛ إذ لمّا كانت طريق النجاة محصورَةً بأهل البيت (ع)، لم يجز عقلاً ولا شرعاً اتّباعُ غيرهم؛ كما يقول تعالى: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 35-36].
ولـمّا كانت طريق النجاة منحصرةً بأهل البيت (ع)، كان ذلك كاشفاً عن كونهم (ع) معصومين عن الضلال والانحراف؛ إذ لو لم يكونوا معصومين لما صحّ تمثيلُهم بـ «سفينةِ نوح» التي كانت طريق النجاة من الهلاك، ولمّا كان منشأُ العصمة هو العلمَ، لزم أنْ يكونوا أعلم الخلقِ؛ إذ لو لم يكونوا كذلك لما ميّزوا بين الحقّ والباطلِ، ولما كانوا معصومين، ولا طُرُقاً للنجاة، وهذا يثبت لزومَ إمامتهم وخلافتهم على الأمّةِ، ويُبطل إمامة غيرهم؛ إذ من القبح والهذيان عقلاً وشرعاً - والحال هذه - تقديمُ غيرهم.
ومن المستحسنِ ذكرُ بعضِ كلماتِ علماءِ العامّةِ في شرحِ الحديثِ:
قال الآجُريّ: (ومَن أحبّ أهل بيت رسول الله (ص) الطيّبين، وتولّاهم وتعلّق بأخلاقهم، وتأدّب بأدبهم، فهو على المحجّة الواضحة، والطريق المستقيم، والأمر الرشيد، ويُرجى له النجاة، كما قال النبيّ (ص): «مثلُ أهلِ بيتي مثلُ سفينةِ نوحٍ عليهِ الصلاةُ والسلام، من ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها هلك») [الشريعة ج٥ ص٢٢٢١].
وقال المناويّ: («إنّ مثلَ أهلِ بيتي» فاطمة وعليّاً وابنيْهما وبنيْهما أهل العدل والديانة «فيكم مثلُ سفينةِ نوح، مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها هلك»، وجه التشبيه: أنّ النجاة ثبتت لأهل السفينة من قوم نوح، فأثبتَ المصطفى (ص) لأمّته بالتمسّك بأهل بيته النجاة، وجعلَهم وُصلةً إليها. ومحصولُه: الحثُّ على التعلّقِ بحبّهم وحبلهم وإعظامهم شكر النعمة بمشرِّفهم، والأخذ بهدي علمائهم، فمَن أخذ بذلك نجا من ظلمات المخالفة، وأدّى شكر النعمة المترادفة، ومَن تخلّف عنه غرق في بحار الكفران وتيّار الطغيان، فاستحقَّ النيران؛ لما أنّ بغضَهم يُوجبُ النار، كما جاء في عدّة أخبار، كيف؟ وهم أبناء أئمّة الهدى ومصابيح الدجى، الذين احتجّ اللهُ بهم على عباده، وهم فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة، الذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم، وبرّأهم من الآفاتِ، وافترض مودّتَهم في كثيرٍ من الآياتِ، وهم العُروةُ الوثقى ومعدنُ التقى. واعلم أن المرادَ بأهل بيته في هذا المقام العلماءُ منهم؛ إذ لا يحثُّ على التمسّك بغيرِهم، وهم الذين لا يُفارِقون الكتاب والسنّة حتى يردوا معه على الحوضِ) [فيض القدير ج٢ ص٦٥٨].
وقال ابن حجرٍ الهيتميّ: (ووجه تشبيههم بالسفينة فيما مرّ: أنّ مَن أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرِّفِهم، وأخذَ بهدي علمائهم، نجا من ظلمة المخالفات، ومَن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النّعم، وهلك في مفاوز الطغيان) [الصواعق المحرقة ص١٥٣].
اترك تعليق