هل ممارسة الأئمة (ع) للتقية تنافي دورهم في حفظ الدين؟
السؤال: الأئمّة المعصومون عند الإماميّة لم يحقّقوا الغاية من وجودهم وهي حفظ الدين من التحريف، بل لاذوا للعمل بالتقيّة فكتموا الحق وحرّفوا الدين ليحقنوا دماءهم، إلّا أن الفاجعة هي قتلهم بالسّمّ أو بالسيف على أيدي أعدائهم، فلا هم للدين حفظوا ولا لدمائهم حقنوا.
الجواب:
السؤال هذا يدلّ على جهلٍ وعدم معرفةٍ بدور الأئمّة (ع) وما قدّموه، فحفظ الدين قد تحقّق بما علّمه الأئمّة (ع) لتلاميذهم وشيعتهم، وردودهم (ع) على الملحدين وأهل الديانات الأخرى، وقد دوّن أصحابهم كلامهم (ع) في كتبٍ خاصّةٍ بلغت المئات، وهي التي رجع إليها محدّثو الإماميّة - كالكلينيّ والصدوق والطوسيّ -، ونقلوا مضامينها إلى موسوعاتهم الحديثيّة بأسانيدهم إلى أولئك المصنّفين من أصحاب الأئمّة (ع).
فيجد الباحث مثلًا أن أحاديث الأحكام في كتاب [وسائل الشيعة] للحرّ العامليّ أكثر من خمسةٍ وثلاثين ألف حديث، ولو أضفنا إليها ما جمعه الميرزا النوريّ في كتابه [مستدرك الوسائل] لتجاوزت تلك الأحاديث الستين ألف حديثًا.
فهذا تراثٌ ضخمٌ جدًّا، لا يمتلك مثله أيّ دينٍ ولا أيّ مذهبٍ على وجه الأرض. وبمقارنةٍ بسيطةٍ مع أحاديث الأحكام لدى الجمهور تتضح المسألة أكثر، فكتاب [بلوغ المرام] لابن حجر العسقلانيّ حوى 1570 حديثًا في الأحكام الشرعيّة، ولا وجه للمقارنة بين هذا العدد وبين ما دوّنه الحرّ العامليُّ في وسائل الشيعة والذي جمع أكثر من خمسةٍ وثلاثين ألف حديثٍ في الأحكام الشرعيّة اعتمادًا على الكتب الأربعة وغيرها من كتب الحديث المتقدّمة.
أمّا عمل الأئمّة (ع) بالتقيّة وزعم السائل أنَّ هذا مضادٌّ لحفظ الدين وهدم له، فهو وهمٌ منه، فقد كان الأئمّة (ع) غالبًا يبيّنون لأصحابهم ذلك. وتكرار شبهة عمل الأئمّة (ع) بالتقيّة مبالغٌ فيه جدًّا، وقد قام أحد العلماء بتتبّع الأحاديث التي وردت تقيّةً فكانت قليلة جدًّا، وأضع كلامه هنا مختصرًا للفائدة.
قال العلّامة الشيخ نزيه محي الدين:(إن من يرى التبرّم والتزاور من التقيّة للمدّعين حصولها في الحديث الشيعيّ، يتخيّل بأن ما من حديثٍ إلّا وهو تقيّة، وأن التقيّة جعلت الحديث الشيعيّ في صورةٍ ضبابيّةٍ هلاميّةٍ لا يستطيع أن يُدرَك غورها، وأن الفقه الشيعيّ لا يمكن أن يُفهم لاحتمال التقيّة فيه، وأن الحديث الشيعيّ مليءٌ بأحاديث تقيّة وما إلى ذلك.
هذه التهويلات والخيالات لا تصمد أمام أبسط جردٍ لأمّهات الكتب الشيعيّة، بل سيصاب المتتبّع بالذهول نتيجة قلّة أحكام التقيّة عند الشيعة، بل وقلّة الروايات التي قيل عنها إنّها تقيّة، حتى ليعجب المرء بأن أهمّ متون الفقه الشيعيّ لم يتعرّض إلّا إلى ثلاثة أحكام فيها تقيّة، وهو كتاب شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي (رحمه الله)، وهو كتابٌ يعتبر متنًا لأهمّ كتب الفقه الشيعيّ. وسيأتي التفصيل في هذا.
ولماذا نسأل الفقه؟ وحديثنا عن الحديث الشيعيّ. الجواب: أنَّ الفقه هو المرآة الثابتة للحديث الشيعيّ والتي لا يمكن أن يمرّر الحديث إلّا من خلاله؛ لأن فيه تمحيصًا سرّيًّا وعلنيًّا على الروايات، فما هو حقيقة الأمر؟
لنأتِ إلى كتابٍ مهمٍّ جدًّا، وهو من كتب الدراسات الأساسيّة في مدارس العلوم الدينيّة عند الشيعة، وهو كتاب [شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام] للمحقّق الشيخ أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن الحسين بن سعيد الهذلي الحلّي (602-676هـ)، وهذا الكتاب يُعتبر أساسًا للكثير من الدراسات العليا في الفقه الشيعيّ.
لقد قمت بجرد الكتاب بشكلٍ شبه كامل، فوجدت أن المتن يحتوي على ثلاث مسائل فقهيّة تنصّ على حالة التقيّة، وفي الهامش - وهو للسيّد صادق الشيرازي - هناك خمس مسائل أخرى، وهذا كلّ ما في الأمر.
والحقيقة أنني - كرجل شيعيّ - استغربت قلّة موارد التقيّة في هذا الكتاب، فثلاث مسائل فقط شيءٌ غريب؛ لأن هناك بعض الأحكام الواردة في الروايات لم يذكرها، ولهذا قمت بفحص كلّ كتب الفقه الشيعيّ القديمة من أوائلها إلى ما بعد العلّامة الحلّي، المتوفّرة على أقراص الليزر، فوجدت خمس عشرة مسألة، فهذا كلّ ما وجدته في هذا الكمّ الكبير جدًّا من الكتب الفقهيّة القديمة، وهذا بنفسه عددٌ قليلٌ جدًّا.
ولو راجعنا هذه الأحكام لوجدنا أن أغلبها يعني بكل وضوح مواجهة أحكام تكشف الهويّة الشيعيّة حين الظلم والجور وتكشف مسايرة عموم المسلمين في الحياة.
وهي بشكلٍ عام نفس أحكام الإكراه والتقيّة عند السنّة.
وبهذا العرض ينكشف مقدار التهويل والمزايدة على الشيعة في موضوع التقيّة، وينكشف أن كثيرًا ممّا قيل في زمن الظلم والجور من التقيّة إنّما هو معروفٌ ومتروكٌ ولم يُعمل به فقهًا؛ ولهذا فإن ما ثبت في الفقه الشيعيّ إنّما هو من مسلّمات مطلق الفقه الإسلاميّ، بل وغير الإسلاميّ؛ لأنّها أمورٌ عقلائيّةٌ ثابتة.
وكما قلت قبل قليل: فإن اختياري لكتب الفقه إنّما هو بسبب كونها مرآة؛ ولأن الفقه عند الشيعة له خصوصيّة بيان المطروح من الأحاديث عمليًّا فهو مصفاة للحديث في الغالب، وهذا يدلّ على أن الفكر الشيعيّ قد أخذ بهذا القدر من أحكام التقيّة لا غير.
فلو راجعنا كتاب الكافي الحاوي على 16199 حديث تقريبًا، فإن كمّيّة التعليقات على الأحاديث بالتقيّة لم تتجاوز 115 تعليقة التي حمل فيها محقّق الكافي الروايات على التقيّة سواء منه أو من احتمالات فقهاء آخرين... وهذه أيضًا مفاجأة أخرى لمن يتصوّر الحجم الهائل للتقيّة في كتب الحديث ككتاب الكافي.
على أن قسمًا منها كان مجرّد احتمال ضعيف كما يشير المحقّق، وقد شككت أنا في هذا الرقم حين عددته أول الأمر؛ لاحتمال الخطأ في العدّ، ولكنني حين عدت إليه من جديد في كلّ الكافي وجدت العدد أقلّ؛ لأن قسمًا ممّا قيل عن احتمال التقيّة كان من قبيل السكوت وغيره، وهذا فعل التقيّة، وليس في مجال تعارض الحديث والحمل على التقيّة، ولكن مع ذلك فإن هذا العدد يعدّ أقلّ بكثيرٍ ممّا يرتكز في الأذهان من حجم التقيّة كما يهوّلون به.
إن عملي في جرد هذه الأعداد كان كما يلي:
1 ـ قمت بنسخ كل ما رأيته يتعلّق بالتقيّة في كتاب الشرائع وكتب الفقه الشيعيّة القديمة وكتاب الكافي كل على حدة.
2 ـ فرزت المتون عن الهوامش.
3 ـ فرزت أحكام التقيّة عن الحثّ على التقيّة أو وصفها أو كيفيّة العمل بها عمليًّا أو نظريًّا.
4 ـ قمت بتعداد كلٍ على حدة.
ولا شك كان هذا عملًا مرهقًا وطويلًا بعض الشيء، ولا أدّعي فيه الكمال، فالأرقام المعروضة تمثّل بحثًا كاملًا من أجل بيان الحقيقة، ولكن وجدت من الصعب أن أدرج كلّ النصوص من جهة إرهاق القارئ بمكرّرات اختصاصيّة لا تعني غير المختصّين. ولا يصعب على من يجد ضرورة ملحّة عنده لجرد هذه الأمور أن يجردها لنفسه. وقد يأتي يوم تُنشر هذه الأبحاث الجانبيّة.
وبهذا الإحصاء ينكشف بأن التقيّة محدودة عند الشيعة وإن ما بقي من أحاديث وردت تقيّة قليلة جدًّا.
وقد أشار الشيخ المفيد بأن الأحاديث التي وردت تقيّة لا يُعمل بها الفقهاء (أو أكثر الفقهاء) [جوابات أهل الموصل ص5-6].
وهذا ما نردّده دائمًا بأن الحديث الشيعيّ قد غُرْبِل عمليًّا، وتُرِك ما قد ورد تقيّة من الزمن الأول، وهو نتيجة عمليّاتٍ فاحصةٍ وتمحيص متتالٍ للحديث، فكان الفقه هو مرآة الحديث، وكذا بعض الأصول المتّبعة هي المرآة الحقيقيّة للحديث، ولا يجوز مناقشة الشيعة مطلقًا بناءً على المنظومة الحديثيّة، فهذا قياس ما لا يقاس، وهذا قصور في النظر، وفي فهم أساليب الطرف المقابل وطرق تلقّيهم...
إن أحاديث الأحكام الواردة تقيّة لا يمكن أن ترد بطرق معروفة، وإنّما ترد على الشذوذ لا فيما ينقله جمهور الفقهاء ويعمل به أكثر العلماء) [التقيّة ص431 وما بعده].
ثم إنّه قد تمّ قتل الأئمّة (ع) وسمّهم بعد أن أكمل كلّ إمام دوره في حفظ الدين وإيصاله إلى شيعتهم وأصحابهم الذين دوّنوه ونقلوه إلى سائر البلدان التي يتواجد فيها الشيعة، فلم يكن قتل الأئمّة (ع) عائقًا أمام حفظ الدين، حيث كلّما قتل إمام جاء إمام من بعده، لهذا امتدّت فترة التشريع لدى الإماميّة إلى سنة 329هـ، وهي سنة ابتداء الغيبة الكبرى للإمام المهدي (ع).
اترك تعليق