هل كانت عائشة تؤذي النبي (ص) بسبب الغيرة الناشئة من الحب؟
السؤال: ينقل الشيعة أنّ عائشة كانت تؤذي النبيّ في حياته ويوردون بعض الوقائع، لكنَّ أهل السنّة يردّون بأنّه ليس أذىً، بل هو من الحب، ويستدلّون برواياتٍ مفادها يدلّ على أنّ طبيعة المرأة هي الغيرة غير المتزنة، وإنْ كان منشأ هذه الغيرة هو الحب، كما جاء في موثّق إسحاق بن عمّار، قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: المرأة تغار على الرجل تؤذيه، قال: "ذلك من الحب". [الكافي: ج٥، باب غَيرة النساء، ص٥٠٥، ح٢].
الجواب:
رواية الإمام الصادق (عليه السلام): «المرأة تغار على الرجل تؤذيه، قال: ذلك من الحب» – إنّما تصف حالةً طبيعيّةً يشترك فيها معظم النساء، فهي انفعالٌ عاطفيٌّ قد يدفع المرأة إلى إظهار التضجّر أو الضيق من مشاركة غيرها في زوجها، وهذا النوع من الغيرة لا يُلام فيه المرء إذا بقي في حدوده الطبيعيّة؛ لأنّه وليد المحبّة، صحيح لم يرد نصٌّ صريحٌ يمدح غيرة المرأة كما مُدحت غيرة الرجل، لكن من خلال القرائن نفهم أنّ غيرتها المقبولة هي تلك التي تبقى طبيعيّة وعفويّة، لا تتعدّى إلى معصيةٍ أو ظلم، فهي حينئذٍ مقبولة مثلها مثل أيّ عاطفة فطريّة أودعها الله فيها، وعلى ذلك يمكن فهم حديث أمير المؤمنين عليه السلام: "غيرة المرأة كفرٌ، وغيرة الرجل إيمان" (وسائل الشيعة ج٢٠ ص١٥٧)، فليس المراد تكفير المرأة إذا غارت مطلقاً، بل المقصود أنّ الغيرة إذا دفعتها إلى الاعتراض على أمر الله أو ظلم الزوج، فهي مذمومةٌ ومحرّمةٌ شرعاً، بينما غيرة الرجل على أهله لحفظهم من الفساد، فهي ممدوحة.
وكون الغيرة دافعاً فطريّاً أودعه الله في قلب المرأة لا يعني بحالٍ من الأحوال تبرير الأذى الذي قد يحصل للزوج بسببها، فالأذى مرفوضٌ ومُدانٌ على كلّ حال، وإن كانت درجته تختلف باختلاف مقداره وحدوده؛ ولهذا لا يُعدّ كلّ ما يصدر عن الزوجة بدافع الغيرة مبرّراً أو مقبولاً شرعاً، بل تبقى مسؤوليّتها قائمةً في ضبط نفسها ضمن حدود الشرع والعقل، فالغيرة المقبولة هي تلك التي تحفظ العلاقة الزوجيّة وتقوّي أواصر المحبّة، أمّا الغيرة المذمومة فهي التي تنفلت لتدفع إلى الظلم أو الإضرار أو الاعتراض على حكم الله ورسوله، وحينئذٍ تتحوّل من عاطفةٍ طبيعيّةٍ إلى سلوكٍ محرّمٍ شرعاً.
وإذا اتّضح هذا، ندرك أنّ كثيراً من الروايات التي يستشهد بها الشيعة في بيان أذى بعض زوجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم تكن تتعلّق بمجرد غيرةٍ طبيعيّةٍ أو انفعالٍ عاطفيٍّ عابر، بل بلغت مستوى الاعتراض على مقام النبوّة أو ارتكاب أفعالٍ تخلّ بمقام الرسول الأعظم (ص). ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما ذكره القرآن نفسه في حادثة إفشاء السرّ، إذ قال تعالى:
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].
فالقضيّة هنا لم تكن غيرةً فطريّةً، بل خيانة للأمانة النبويّة.
وكذلك ما قصّه القرآن من تظاهر عائشة وحفصة على النبيّ (ص) وتواطئهما ضدّه، ممّا استوجب تهديداً شديداً من الله، لم يُوجَّه في القرآن بمثل حدّته لأحد من العالمين، حيث قال تعالى:
﴿إِن تَتُوبَا إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤].
وقد روى البخاريُّ ومسلم تفاصيل هذه الحادثة بما لا يدع مجالاً للّبس.
وممّا ورد أيضاً ما يُظهر قلّة توقير لمقام النبيّ (ص) حتّى في أثناء الصلاة، كما جاء في البخاري (ج٢ ص٦١):
(كنت أمدّ رجلي في قبلة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فإذا سجد غمزني فرفعتها، فإذا قام مددتها).
مثل هذا السلوك لا يمكن أن يُبرَّر بالغيرة، بل هو منافٍ للحدّ الأدنى من الأدب مع النبيّ الأعظم (ص).
بل إنّ الأمر وصل إلى مخاطبته بما يُشكّك في نبوّته، حيث رُوي أنّها إذا غضبت قالت له: «ألست تزعم أنّك رسول الله؟!» بل قالت له: «تكلّم ولا تقل إلّا حقّاً!» حتّى لطمها أبوها أبو بكر فسال الدم على ثوبها (مجمع الزوائد للهيثميّ ج٤ ص٣٢٢).
فهل يُعقل أن يُعزى مثل هذا القول إلى مجرد غيرةٍ ناتجة عن حب؟
ثمّ كيف يمكن تبرير تطاولها على السيّدة خديجة (رض) التي هي أمّ المؤمنين وأفضل نساء عصرها؟ فقد أخرج البخاريُّ ومسلم أنّ عائشة قالت:
(استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله (ص) فارتاع لذكر خديجة
وقال: «اللَّهم هالة». قالت: فغرتُ فقلتُ: ما تذكر من عجوزٍ من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيراً منها) (البخاريّ ج٣، حديث ٣٦١٠).
وهذه ليست غيرةً فطريّةً مقبولةً، بل تجاوزٌ صريحٌ على مقام سيّدٍة كاملةٍ عظيمةٍ كخديجة، التي لا يخفى فضلها ومكانتها.
فالقول بأنّ كلّ أذىً صدر منها هو من باب الحبّ والغيرة تبريرٌ غير صحيح؛ لأنّه يخلط بين العاطفة الفطريّة والموقف الشرعي. فالنبيّ (ص) معصومٌ، ومقامه فوق كلّ اعتبار، ومن واجب أزواجه أن يلتزمن الأدب الكامل معه، كما نصّ القرآن الكريم:
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]،
وقال: ﴿يَا نِسَاءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠].
فإذا كان الأذى للنبيّ (ص) من أيّ شخص مردوداً بنصّ القرآن:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]،
فكيف يُتصوّر تبريره من أزواجه؟
اترك تعليق