لماذا دافع الله عن الكعبة في عام الفيل ولم يفعل ذلك في المرات الأخرى؟

السؤال: في العصور القديمة كان الله يدافع عن الكعبة وعن الأنبياء، فيرسل طيوراً أبَابيل يرمون من يقترب من الكعبة بحجارة، لكن هذا الإله نفسه كم مرة دُنسَت كعبته ورُمِيَت بالمنجنيق ولم يتحرّك، دنسوها القرامطة وعَرَوْها وسرقوا الحجارة وفعلوا فيها النجاسات وقتلوا ٣٠ ألفاً من الحجاج حتى جعلوا بئر زمزم جبلًا من الجثث لم يتحرّك.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

السؤال الذي يحاول صاحبه إثارة الغبار لا تُقنعه أيُّ إجابةٍ مهما كانت مقنعة؛ لأنَّ غايته ليست الوصول إلى الحقيقة، بل التشكيك في الثوابت، والإلقاء بالريب في القلوب. فالمتسائل هنا لا يبحث عن الحكمة في تصرّف الله تعالى، ولا عن طبيعة السنن التي يجريها سبحانه في الكون، وإنما يريد إثارة التناقض المتوهم في الفعل الإلهي، ليدّعي أن الله دافع عن الكعبة في عام الفيل ثم تركها تُدنس في عصور لاحقة. وهكذا ينطلق من منطقٍ مغلوطٍ يَفرِض على الله أفعالاً وفق مزاجه هو، وكأنَّ الإله ملزمٌ أن يكرّر المعجزة كلما تكررت الظروف، مع أنَّ هذا القول لا يقوم على برهانٍ عقليّ ولا على أساسٍ إيمانيّ.

فالمؤمن حين ينظر إلى مثل هذه الأسئلة لا يرى فيها لغزًا؛ لأنَّه يعلم أنَّ الله تعالى فاعلٌ حكيم، لا يجري أفعاله اعتباطًا ولا تحت ضغط قاعدةٍ ميكانيكيةٍ جامدة. فكلُّ أفعاله منضبطةٌ بسننٍ دقيقةٍ تجري ضمن نظام التكليف والامتحان، لا وفق هوى السائل أو تصوره البشري المحدود.

ولذلك فإن حماية الكعبة في عهد أبرهة كانت لحكمةٍ مخصوصةٍ في سياقٍ محدد، ولم تكن سنةً مطردةً تتكرر كلما هاجمها معتدٍ. ففي عام الفيل لم يكن هناك مسلمٌ قادرٌ مكلفٌ بحماية البيت، وكان الهدف الإلهي حينها حفظ مركز الرسالة قبل البعثة، لتبقى مكة مهيأة لحمل النور الإلهي القادم. أما بعد ظهور الإسلام، فقد انتقل التكليف إلى الأمة نفسها، وأصبح الدفاع عن بيت الله واجبًا بشريًا تقوم به الأمة التي شرفها الله بالخلافة في الأرض.

وأصل المغالطة في الشبهة أنَّ صاحبها يتعامل مع الفعل الإلهي كأنه قانونٌ جامدٌ: «بما إنَّ الله دافع مرة، فيجب أن يدافع كل مرة»! وهذا من أبطل أشكال التفكير؛ لأنَّ الفاعل الحكيم المختار لا يُقاس بآلةٍ ميكانيكية تكرر أفعالها دون تمييز، بل يفعل ما تقتضيه الحكمة في كل ظرفٍ وزمان. فتارةً تكون المعجزة هي الأنسب، وتارةً يكون الامتحان والصبر والابتلاء هو الأليق بتحقيق الغاية. فالقول بأن الله يجب أن يتدخل دائمًا دفاعًا عن الكعبة يتناقض مع مبدأ الاختيار والحرية التي يقوم عليها الابتلاء الإنساني؛ لأن الإيمان لا يُبنى على الإكراه ولا على الإعجاز الدائم، بل على الثقة بالغيب والتسليم للحكمة الإلهية.

وحين ننظر إلى التاريخ نجد أن الله لم يتخلَّ عن بيته قط، لكنه يدافع عنه بطرقٍ مختلفةٍ، منها المباشر ومنها غير المباشر. فحادثة الفيل كانت تدخلاً إعجازيًا لحماية مركز الرسالة قبل ولادة النبي (ص)، أما في العصور التالية فقد أصبحت الحماية وظيفة الأمة؛ امتحانًا لإيمانها وقدرتها على نصرة مقدساتها. فحين دنس القرامطة الكعبة وسفكوا دماء الحجاج وسرقوا الحجر الأسود، لم يكن ذلك غيابًا لله عن المشهد، بل كان اختبارًا عظيمًا للأمة التي تهاونت في واجبها، وكان وعد الله بالعقوبة قائمًا وإن تأخر في الزمان، فسرعان ما زال ملك القرامطة وتبدد سلطانهم، حتى صار ذكرهم لعنةً في كتب التاريخ، وصدق قوله تعالى:

{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّـهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: ٤٢].

إن المقياس المادي الذي ينظر إلى قدرة الله من زاوية «لماذا لم يفعل؟» مقياسٌ قاصر؛ لأنه يغفل عن أن الله يدبّر الأمور ضمن نظامٍ متكامل من السنن والحِكم، وأن كل تأخيرٍ في العقوبة هو لحكمةٍ في الابتلاء أو لتمحيصٍ في الإيمان. فالله تعالى لا يُرى في فعل الطير الأبابيل فقط، بل يُرى في بقاء بيته بعد كل محاولةٍ لتدنيسه، وفي عودة الحجاج إليه جيلًا بعد جيل، وفي زوال كل من تجرأ عليه. ولو كان الله عاجزًا - كما يتوهمون - لما بقي البيت قائمًا ولما بقي اسمه مرفوعًا، لكنه باقٍ ما بقي الإيمان، شامخٌ رغم كل ما مرّ به من المحن؛ لأنه ليس بيتًا من حجرٍ فحسب، بل بيت الله الذي جعله الله مثابةً للناس وأمناً.

ثم إن التدنيس لا يُبطل القداسة، فالمكان الذي جعله الله مقدسًا لا تفقده الأفعال البشرية طهره، كما أن مقام النبي لا ينتقص إذا ناله الأذى، لأن القداسة تنبع من الاصطفاء الإلهي لا من سلوك الناس. فالكعبة بيتٌ جعله الله قيامًا للناس، رمزًا لوحدانيته وعبودية خلقه، وميدانًا لاختبار إيمان الأمة عبر الأجيال، يؤمن بها من صفا قلبه ويكفر بها من أعماه الجهل، فهي مقدسة لأن الله قدّسها، لا لأن البشر أرادوا لها ذلك، ولا تفقد حرمتها إذا دنّسها الغافلون. ولهذا فإن امتناع الله عن التدخل المباشر لم يكن تخليًا عن بيته، بل تربيةً للأمة لتدرك أن حماية المقدس ليست بالمعجزات، بل بصدق الإيمان والعمل، مصداقًا لقوله تعالى:

{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّـهُ مَن يَنصُرُهُ} [الحج: ٤٠].

وفي المحصّلة، المعجزات ليست القاعدة، بل الاستثناء، والاختبار هو الأصل. والله الذي أرسل الطير الأبابيل قادرٌ أن يفعل ذلك كل يوم، لكنه ترك لنا سُنّته الأعمق: أن نحمي البيت بالإيمان والعمل، لا بانتظار المعجزة. فمن فهم هذا، أدرك أنّ سؤال المستشكل ليس سؤالَ بحثٍ عن الحقيقة، بل سؤال إنكارٍ لرب العالمين، وأنّ الرد عليه لا يكون بتبرير فعل الله، بل ببيان الحكمة التي يجهلها المنكر، والسنن التي تغيب عن منطق الماديين. فالله لم يتغير، ولكن حكمته هي التي تتنوع، ومعجزته الكبرى ليست في الحجارة التي رمت أبرهة، بل في الأمة التي تبقى رغم كل الفتن، متمسكةً ببيته، شاهدةً على أن الكعبة باقية لأن الله أراد لها أن تبقى، لا لأن الطير تحرسها كل يوم.