هل كان تعدد زواج النبي (ص) بداع شهوي؟

السؤال: نص الشبهة: كلما قرأت عن تعدد زوج نبيّ الإسلام محمد، إلى التسع من النسوة كلما زاد استغرابي من تبرير هذا العدد فهو لا يخلو في نفسه عن الشره والانقياد لداعي الشهوة. لماذا يُطلب من بسطاء المسلمين كبح شهواتهم، بينما نبيّهم استثناءات في كلّ شيءٍ فهو لم يقنع بما شرعه لأمته من أربع نسوة؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم –أيدك الله– أنَّ شهوة الجنس مما جُبل عليه الإنسان بل الحيوان بشكلٍ عامٍّ من أجل استمرار النسل وبقاءه ولا عيب فيه، إنما يُعاب إذا طغت الشهوة وتجاوزت الحد المعقول. لكن المستشكل هنا جعل من تعدد الزوجات دليلًا على فرط ميوله الجنسيّة وإنه كان مستسلمًا للشهوات.

وإذا أمعنّا النظر فيما قاله وجدنا أنه لم يأخذ في الاعتبار الأسباب الحقيقية وراء تعدد الزوجات، فهو أطلق حكمه فيه لمجرد التعدد، وبنى عليه شبهته، ولم يدرسه دراسة منصفة، فلو كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) مستسلمًا للشهوات لظهر ذلك عليه في شبابه أكثر من وقت آخر، ولكان داعيًا لتعيَّر مشركي له الذين كانوا يرصدون كل حركاته وسكناته. ولما بدأ حياته الزوجية في الخامس والعشرين من عمره بالزواج من امرأة في سن الأربعين من عمرها، وهي خديجة الكبرى (عليها السلام) وقد عاش معها نحو خمسة عشرة سنة مقتصرًا عليها حتى توفيت عن عمر خمسةٍ وستين عامًا.

قال السيّد الطباطبائيّ: (.. إنَّا لا نشك - بحسب ما نشاهده من العادة الجارية - أنَّ المتولع بالنساء المغرم بحبهن والخلاء بهن والصبوة إليهن مجذوب إلى الزينة، عشيق للجمال، مفتون بالغنج والدلال، حنين إلى الشباب ونضارة السن وطراوة الخلقة، وهذه الخواص أيضًا لا تنطبق على سيرته (صلى الله عليه وآله)، فإنه بنى بالثيب بعد البكر وبالعجوز بعد الفتاة الشابة، فقد بنى بأم سلمة وهي مسنّة، وبنى بزينب بنت جحش وسنها يومئذ يربو على خمسين بعد ما تزوج بمثل عائشة وأم حبيبة وهكذا) [تفسير الميزان ج17 ص148].

فلا يبقى حينئذٍ إلَّا أْن يوجَّه أسباب تعدد الزوجات لغير التلذذ الجنسيّ مثل أسباب دينيَّة، واجتماعيَّة، وسياسيَّة، وإليك أبرز الأسباب المستنبطة:

فأمّا الأسباب التشريعيَّة:

1ـ ترسيخ سنة الزواج من الأرامل حتى تكون سنّة جاريةً بين المؤمنين في حفظ الأرامل والعجائز من المسكنة والضيعة. مثل زواجه بسودة وأم سلمة وحفصة وأم حبيبة وصفية وزينب بنت خزيمة اللآتي مات عنهن أزواجهن.

2ـ إبطال تحريم الزواج من زوجة الابن بالتبنّي، فقد كان في الجاهليّة زوجة المدعوّ ابنًا عندهم كزوجة الابن الصُلبيّ لا يتزوج بها الأب، فتزوج النبيّ زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة، الذي تبناه كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا} [الأحزاب: 37].

وأما الأسباب الاجتماعية:

1ـ إكرام بعض الصحابة أو ردّ جميلهم: مثل زواجه من سودة بنت زمعة بعد وفاة زوجها، وكانت امرأة كبيرة في السن.

2ـ رعاية الأرامل والمحتاجات فقد كانت زوجاته أغلبهن من الأرامل، مثل زينب بنت خزيمة التي كانت تُلقّب بـ"أمّ المساكين".

3ـ تحرير الرقاب: مثل زواجه من مارية القبطيّة، وصفية بنت حييّ، وكان زواجه منهن سببًا في تحريرهن.

وأما الأسباب السياسيَّة:

1ـ تقوية العلاقات مع القبائل: مثل زواجه من جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق، بعد وقعة بني المصطلق وقد كان المسلمون أسروا منهم مائتي بيت بالنساء والذراري، فتزوج (صلى الله عليه وآله) بها، فقال المسلمون هؤلاء أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم وأعتقوهم جميعًا، فأسلم بنو المصطلق بذلك، ولحقوا عن آخرهم بالمسلمين وكانوا جمًّا غفيرًا، وأثر ذلك أثرًا حسنًا في سائر العرب [انظر: تفسير الميزان ج17 ص148].

2ـ إزالة الأحقاد القبلية: مثل زواجه من صفية بنت حييّ، التي كانت ابنة زعيم يهود بني النضير. فقد قُتل زوجها في معركة خيبر، كما قُتل والدها مع بني قريظة. وكانت صفية في سبي خيبر، لكنه اختارها وأعتقها وتزوج بها، مما حماها من الذل وأعطى فرصة للتواصل مع بني إسرائيل.

باختصار، إذا كان الدافع هو الشهوة، لكان من المنطقي أنْ يبدأ بالنساء الشابات الجميلات بدلًا من الزواج من الثيبات أو العجائز أو المطلقات أو الأرامل. فمن غير المعقول أنْ نراه- وهو في الخمسين من عمره- يتزوج بدافع الشهوة من نساء أكبر سنًّا.

نكتفي بهذا القدر والحمد لله أولًا وآخرً