شرعية فتاوى الفقهاء

السؤال: يدَّعي البعض عدم مشروعية الرجوع إلى الفقهاء في زمن الغيبة؛ لأنَّ أقوى خبرين يستدلون بهما ـ وهما «من كان من الفقهاء ... فللعوام أنْ يقلدوه» ورواية «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» ـ ضعيفان سنداً كما صرَّح به علماؤهم. ولأنَّ الاستناد إلى إرجاع الأئمَّة إلى أصحابهم في إثبات مشروعية الرجوع للفقهاء في زمن الغيبة قياسٌ، والقياس باطل. كما أنَّ الإرجاع هذا لكونهم رواة حديث وليسوا فقهاء. ولأنَّ سيرة العقلاء في الرجوع لأهل الخبرة لا تنفع في الرجوع للفقهاء، لأنَّ الرجوع للفقهاء إنما هو لأخذ الدين، والدين لا يؤخذ ـ عند الشيعة ـ إلَّا من المعصوم، وأنَّ الاجتهاد والقول بالرأي ممنوعٌ. وعليه، فلا شرعية لأقوال الفقهاء في زمن الغيبة.

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الملاحَظ في هذا السؤال أنه يتضمَّن أربع نقاط أساسية أدَّت إلى القول بعدم حُجيَّة فتاوى الفقهاء في زمن الغيبة الكبرى؛ ولذلك ينبغي الكلام في أربعة أمور، فنقول ومن الله تعالى التوفيق.

الأمر الأوَّل: إنَّ الخبرين المذكورين ـ أعني: خبر «من كان من الفقهاء...» وخبر «وأمَّا الحوادث الواقعة...» ـ وإنْ اُختلف فيهما عند الأعلام قبولاً أو رفضاً إلَّا أنهما ليسا المستند الوحيد لحجيَّة قول الفقيه في زمن الغيبة، بل هناك الكثير من الأدلَّة الدالَّة على جواز الرجوع إلى الفقهاء في زمن الغيبة؛ ولذلك فلا يصحُّ القول بعدم حُجيَّة فتاوى الفقهاء بناءً عليهما فقط، كما هو واضح.

وبعبارة أُخرى: إذا اعرضنا عن بعض الروايات الدالَّة على إثبات الرجوع إلى الفقهاء فلا يعني إلغاء سائر الأدلَّة الأخرى، من قبيل الآيات الدالَّة على ذلك ـ كآية النبأ ـ أو الروايات الأُخرى ـ كروايات تجويز الإفتاء إذا كان عن علم ـ وكذلك السيرتين العقلائيَّة والمتشرعيَّة وغير ذلك من الأدلَّة الأُخرى.

الأمر الثاني: إنَّ المستفاد من أخبار الإرجاع ـ كما سوف نذكرها ـ أنَّها من باب كونهم فقهاء في الدين، وليس الإرجاع إليهم لعلَّةٍ تعبديَّةٍ لا يُعلم وجهها، وإذا كان الإرجاع لنكتة الفقاهة فلا يفرَّق فيها بين عصر الحضور والغيبة، فأين هذا عن فكرة القياس التي وردت في السؤال؟! خصوصاً فيما ورد في بعضها من حبِّ الإمام (عليه السلام) أنْ يرى في الشيعة من يقوم بعملية الإفتاء، الشامل لجميع العصور كما لا يخفى.

1ـ روى الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه) بسنده عن معاذ بن مسلم النحوي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لي: «بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قال: قلتُ: نعم ... أني أقعدُ في المسجد فيجئ الرجل يسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجئ الرجل أعرفه بحبكم أو مودَّتكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجئ الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو فأقول: جاء عن فلان كذا وجاء عن فلان كذا، فأُدخل قولكم فيما بين ذلك، قال: فقال لي: اصنع كذا فإني كذا أصنع» [اختيار معرفة الرجال ج2 ص522].

2ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) بسنده عن علي بن المسيب، قال: «قلت للرضا (عليه السلام) شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كلِّ وقت، فممن آخذ معالم ديني؟ فقال: من زكريا بن آدم القمِّي المأمون على الدين والدنيا. قال علي بن المسيب: فلما انصرفتُ قدمت على زكريا بن آدم فسألته عما احتجت إليه» [اختيار معرفة الرجال ج2ص ٨٥٨].

3ـ وروى الشيخ النجاشيُّ (طاب ثراه) في شأن أبان بن تغلب عن أبي جعفر (عليه السلام) قال له: «اجلس في مسجد المدينة وافتِ الناس، فإني أحبُّ أنْ يُرى في شيعتي مثلك» [رجال النجاشيُّ ص10]، إلى غير ذلك.

الأمر الثالث: إنَّ إرجاع الأئمَّة (عليهم السلام) لأصحابهم لا لكونهم رواة حديث فقط ـ كما قيل ـ بل لأنهم من الفقهاء وأهل الفتيا أيضاً، فإنَّ الظاهر من كلام الإمام (عليه السلام) لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة وافتِ الناس» هو الفتوى وليس مجرَّد نقل الروايات.

كما أنَّ إفتاء الأصحاب لم يكن بالشيء الغريب، بل كانوا يفتون وفق الروايات التي كانت عندهم من أهل العصمة، بل إنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) أنفسهم كانوا يعلِّمون الأصحاب كيفية الاستدلال والإفتاء.

روى الشيخ الكلينيُّ (طاب ثراه) بسنده عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): عثرتُ فانقطع ظفري فجعلتُ على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله (عزَّ وجلَّ) ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78] امسح عليه» [الكافي ج3 ص33].

فإنَّ قوله (عليه السلام): «يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله» عبارة عن تعليم الاستنباط من كتاب الله تعالى لعبد الأعلى مولى آل سام، وإلَّا لبيَّن له الحكم في هذه المسألة وانتهى الأمر، كما هو واضح.

الأمر الرابع: إنَّ رجوعنا إلى المعصوم (عليه السلام) في أخذ الدين من المسلَّمات الواضحة، كما أنَّ بطلان القياس والرأي من الواضحات أيضاً.

كيف، وقد اتفقت الإماميَّة على بطلان العمل بالقياس تبعاً للأخبار الشريفة، إذْ عقد الكلينيُّ (طاب ثراه) باباً كاملاً بعنوان (باب البدع والرأي والمقائيس)، وقد ذكر فيه جملة من الروايات الدالَّة على بطلان العمل في ذلك [يُنظر: الكافي ج1 ص54].

وقال الشيخ محمَّد رضا المظفَّر (طاب ثراه): (أمَّا نحن ـ الإماميَّة ـ ففي غنى عن هذا البحث، لأنه ثبت لدينا على سبيل القطع من طريق آل البيت (عليهم السلام) عدم اعتبار هذا الظن الحاصل من القياس. فقد تواتر عنهم النهي عن الأخذ بالقياس وأنَّ دين الله لا يصاب بالعقول، فلا الأحكام في أنفسها تصيبها العقول، ولا ملاكاتها وعللها. على أنه يكفينا في إبطال القياس أنْ نبطل ما تمسَّكوا به لإثبات حجيته من الأدلَّة، لنرجع إلى عمومات النهي عن اتباع الظن وما وراء العلم) [أصول الفقه ج3 ص١٩٣].

وعليه، فإنَّ رجوعنا إلى الفقهاء في زمن الغيبة هو رجوعٌ للأئمَّة في حقيقة الأمر، إذِ الفقيه عندما يفتي فهو يلاحظ الآيات أو الروايات الواردة عنهم (عليه السلام)؛ ولذلك فإنَّ رجوعنا إلى الفقيه بما هو طريق لأحكام الله تعالى التي وصلت إليه عن طريق المعصوم (عليه السلام).

ولذلك فالاستدلال بالسيرة العقلائيَّة على مشروعية الرجوع إلى الفقهاء في زمن الغيبة لا ينافي العصمة؛ لأنَّ رجوعنا إلى الفقهاء لأنهم يفتون وفق الروايات الشريفة الواصلة إلينا، فيكون الرجوع إليهم رجوعا إلى المعصوم تبعاً.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ ما ذكر في السؤال لا يعدو عن كونه شبهات واهية لا تصمد أمام الدليل.. والحمد لله ربِّ العالمين.