هل يكفي صفاء القلب دون التزام بالعمل؟

السؤال: تروج بين الشباب اليوم عباراتٌ شاعريَّةٌ تميِّع الدين، مثل: (‏أتظنون أنَّ الله سيسألكم يوم القيامة عن مذاهبكم؟! أتظنون أنَّ الرحمن الرحيم سيحاسبكم على عدد ركعاتكم، أو على كيفية وضع أيديكم في الصلاة؟ من يظنُّ ذلك لم يعرف رحمة الله حقَّ المعرفة، فالله لا يحاسب على اختلاف المذاهب، ولا على تفاصيل الطقوس، بل ينظر إلى صدق النية وعدل القلب والروح!) كيف يمكن معالجة هذا الموضوع؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه العبارات، وإن جاءت في قالبٍ شاعريٍّ يلامس العاطفة ويُداعب الوجدان، إلَّا أنَّها في عمقها تقوم على خلطٍ خطيرٍ بين سَعة رحمة الله، وتعطيل مبدأ المسؤولية الدينيَّة، وبين الحديث عن جوهر الدين وبين تفريغه من مضمونه العمليّ والتكليفيّ. فهي قد لا تُنكر الأحكام صراحةً، أو قد لا ترفض الالتزام بوضوحٍ، لكنها تُفرغهما من معناهما بهدوءٍ، عبر الإيحاء بأنَّ ما سوى "النية الصادقة" تفاصيلٌ ثانويةٌ لا وزن لها.

وخطورة هذا الخطاب لا تكمن فيما يعلنه فحسب، بل فيما يتعمّد إسقاطه؛ إذ يُسقِط فكرة المحاسبة، ويُحيّد مفهوم الطاعة، ويفصل بين الإيمان والعمل، فيتحوّل الدين من منهج حياةٍ مسؤولٍ إلى حالةٍ وجدانيةٍ مريحةٍ، تُطمئن الضمير من دون أن تُطالبه بالتغيير أو الالتزام.

فقولهم: «أتظنون أنَّ الله سيسألكم عن مذاهبكم؟»، سؤالٌ مُضلِّلٌ من حيث الصياغة؛ لأنَّه يوحي بأنَّ الانتماء المذهبيَّ مجرّد تصنيفٍ إداريّ أو هويةٌ اجتماعيةٌ، بينما المذهب في حقيقته ليس اسماً ولا شعاراً، بل منهج فهمٍ للدين، وطريقة تلقّي الوحي، وتحديد المرجعية التي يُؤخذ منها الحكم والمعنى. والله لا يسأل عن "اللافتة"، لكنَّه يسأل عن الطريق الذي اخترته للوصول إليه، وعن المرجعيَّة التي سلّمت لها دينك. يقول تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، ويقول: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].

وأما قولهم: «هل سيحاسبكم الله على عدد الركعات أو كيفية الصلاة؟»، فهو ليس مجرد تبسيطٍ بريءٍ للدين، بل قلبٌ صريحٌ لمنطق القرآن في المحاسبة؛ لأنَّ هذا السؤال يفترض ـ ضمناً ـ أنَّ العمل تفصيلٌ ثانويّ، وأنَّ النية الصادقة تكفي وحدها للنجاة، وكأنَّ الله يُحاسِب على المشاعر لا على الأفعال. بينما القرآن يضرب هذا الوهم من أساسه، ويجعل العمل هو محلّ الامتحان الحقيقيّ، لا الادّعاء القلبيّ.

فالقرآن لا يكتفي برفض هذا المنطق، بل يُدين أصحابه بلهجةٍ شديدةٍ حين يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2ـ3]. فهنا لا يتحدث النص عن كفرٍ أو شركٍ، بل عن انفصامٍ بين النية المعلَنة والعمل المتروك، ويصفه بأنَّه مقتٌ عظيمٌ عند الله.

كما يقول تعالى في شأن الصلاة: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 5ـ6]. وهم "مصلّون" لا منكرون للصلاة، لكنهم فرّغوها من معناها العمليّ والانضباطيّ، فاستحقوا الويل لا الرحمة. فكيف بمن يستخفّ بأصل الركعات، ويجعلها أمراً لا وزن له أصلاً؟

ولو كان الميزان هو النية وحدها، لما قال الله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7ـ8]. فالميزان هنا ليس ما "يشعر به" الإنسان، بل ما يعمله، صغيراً كان أو كبيراً، دقيقاً كان أو ظاهراً. وهذا النص وحده كافٍ لنسف فكرة أنَّ الله لا يُحاسب على التفاصيل العملية.

ومن هنا نفهم لماذا شدّد أئمة أهل البيت على خطورة التذرّع بالنيات، فقال الإمام الصادق (عليه السلام): «ليس الإيمان بالتحلّي ولا بالتمنّي، ولكنَّ الإيمان ما خلص في القلوب وصدّقته الأعمال» [تحف العقول ص370]، وعن سلام الجعفيّ قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الإيمان فقال: الإيمان أن يُطاع الله فلا يُعصى» [الكافي ج2 ص33]، فالقلب الذي لا يصدّقه العمل ليس موضع رحمةٍ، بل موضع مساءلةٍ. والنية التي لا تُترجم إلى طاعةٍ ليست إيماناً، بل دعوى مريحةٌ لا تصمد أمام الحساب.

وعليه، الاستخفاف بعدد الركعات أو هيئة الصلاة ليس دفاعاً عن الجوهر، بل إعلانٌ ضمنيّ أنَّ الإنسان يريد أنْ يعبد الله بشروطه هو لا بشروط الله. وهذا ليس فهماً أعمق للدين، بل تمرّدٌ ناعمٌ على معنى العبودية نفسه. فالعبودية، في منطق القرآن، تبدأ حين نلتزم بما أُمِرنا به، لا حين نعيد تعريف التكليف بما يناسب أذواقنا ومزاجنا الروحيّ. ثم إنَّ التذرّع بـ«رحمة الله» لإسقاط التكليف إساءةٌ إلى الرحمة نفسها. فرحمة الله في القرآن ليست بديلاً عن الشريعة، بل حافزٌ للالتزام بها. يقول تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156]، ويقول تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56]، حيث يجعل القرآن الرحمة نتيجةً مترتبةً على فعلٍ واضحٍ: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وغيرها من الطاعات.

وأما القول إنَّ الله لا ينظر إلا إلى "عدل القلب والروح"، فهو نصف حقيقةٍ يُراد بها باطلٌ. نعم، الله ينظر إلى القلوب، لكن أيّ قلبٍ؟ القلب الذي يترجم ما فيه إلى سلوكٍ، يقول تعالى: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، فالعدل الداخليّ الذي لا ينعكس في الطاعات والعبادات ليس عدلاً، بل شعوراً ذاتياً غير ممتحَنٍ.

وعلى هذا، فـ«العدل الداخليّ» الذي لا ينعكس صلاةً منضبطةً، ولا طاعةً واعيةً، ولا التزاماً بأوامر الله، ليس عدلاً بالمعنى القرآنيّ، بل إحساساً ذاتياً غير ممتحَنٍ، يمكن لكلِّ أحدٍ أن يدّعيه من دون كلفةٍ. أما القلب الذي يريده القرآن، فهو القلب الذي يظهر صدقه في الموقف، وانضباطه في العبادة، وتسليمه في التفاصيل، لا القلب الذي يتذرّع بصفائه ليُعفي نفسه من التكليف.