هل المسيحية دين محبة والإسلام دين عنف؟
السؤال: يدَّعي البعض أنَّ المسيحيَّة أجدر بالاتباع؛ لأنَّها إنسانيَّة أكثر، وتدعو للمحبَّة والرحمة، والسيد المسيح لم يؤذِ أحداً في حياته أو يقتل أحداً، بخلاف الإسلام الذي يكثر فيه القتل والغزوات، والأحاديث التي تروِّج العنصريَّة.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
إذا أردنا تقييم إنسانيَّة النبيّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، فلا يصحّ أنْ نبدأ من مشاهد القتال فنجعلها المعيار في ذلك، مع تجاهل الأصل الذي بُعث من أجله، ولا الصورة الواضحة التي قدَّمها القرآن عنه قبل أيِّ قراءةٍ تاريخيَّةٍ أو انتقائيَّةٍ؛ فالقرآن نفسه يقدِّم النبيّ بوصفه تجسيداً للأخلاق في أعلى درجاتها، إذ يقول تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، ويقول أيضاً في بيان طبيعة تعامله مع الناس: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، ويؤكِّد رسالته بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ويجعل منه قدوةً عمليَّةً بقوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
وهذا المعنى نفسه عبَّر عنه النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بوضوحٍ حين قال: «إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ» [مكارم الأخلاق ص8، السنن الكبرى للبيهقي ج10 ص192]، فحدّد الغاية الأساسيَّة من بعثته في بناء الإنسان أخلاقيَّاً، لا في مجرَّد إدارة صراعٍ أو خوض حروبٍ، فالأصل في شخصيَّته هو الخلق، والأصل في رسالته هو الرحمة، وكلّ ما سواه يُفهم في إطار هذا الأصل لا بمعزلٍ عنه.
وعليه، فإنَّ أيَّ مقارنةٍ تتجاهل هذا الأساس، وتختزل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في جانبٍ واحدٍ من حياته، إنَّما هي مقارنةٌ مبتورة، لا تعبِّر عن حقيقة شخصيَّته ولا عن جوهر رسالته، بقدر ما تعبِّر عن قراءةٍ انتقائيَّةٍ تبحث عمَّا يؤكِّد حكماً مسبقاً، لا عمَّا يكشف الصورة الكاملة.
ثمَّ إنَّ المقارنة بين السيد المسيح (عليه السلام) والنبيّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) من حيث «وجود القتال» و«عدم وجوده»، ليست مقارنةً علميَّةً؛ لأنَّ كلَّاً منهما عاش في سياقٍ مختلفٍ تماماً.
السيد المسيّح – بحسب التصوُّر المسيحيّ – لم يُتح له أنْ يؤسِّس دولةً أو يدير مجتمعاً أو يواجه تهديداتٍ عسكريَّةً، بينما النبيّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) خاض تجربة بناء مجتمعٍ ودولةٍ في بيئةٍ متصارعة، فهل يُعقل أنْ نقارن بين من لم يُختبر في ميدان السلطة والصراع، وبين من خاض تلك التجربة بكلِّ تعقيداتها، ثمَّ نحكم على الثاني بأنَّه «صاحب قتالٍ وعنفٍ» لأنَّه واجه واقعاً لم يواجهه الأوَّل؟
وإذا تجاوزنا الإسلام والمسيحيَّة بوصفهما رسالةً سماويَّةً، ونظرنا إلى التاريخ الفعليّ للمسلمين والمسيحيّين، فإنَّ الادعاء بأنَّ المسيحيَّة «أكثر تسامحاً» لا يصمد أمام الوقائع التاريخيَّة، فتاريخ المسيحيَّة – بوصفه تجربةً بشريَّةً – شهد مراحل طويلةً من العنف والصراعات الدمويَّة، كالحروب الدينيَّة في أوروبا، ومحاكم التفتيش، والصراعات بين الطوائف المسيحيَّة نفسها، بل وحتى حملاتٍ استعماريَّةٍ اتخذت غطاءً دينيَّاً في بعض مراحلها.
وفي المقابل، فإنَّ التاريخ الإسلاميّ – رغم ما فيه من أخطاءٍ بشريَّةٍ – قدَّم نماذج واسعةً للتعايش والتسامح، حيث عاشت تحت حكمه أممٌ وأديانٌ مختلفةٌ ضمن نظامٍ قانونيٍّ يضمن لها قدراً من الحماية والحقوق. وهذا لا يعني تبرئة التاريخ من كلِّ نقصٍ، بل يعني أنَّ الصورة أكثر تعقيداً من الادعاء الساذج بأنَّ «هذا دين محبَّةٍ فقط» و«ذاك دين عنفٍ فقط».
كما أنَّ تصوير الإسلام على أنَّه «دين قتلٍ وغزواتٍ» هو قراءةٌ انتقائيَّةٌ تتجاهل السياق، فالحروب في سيرة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لم تكن مشروعاً للعدوان، بل جاءت في إطار الدفاع وردِّ الاعتداء، والقرآن يضع لذلك ضوابط واضحةً:﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]. كما أنَّ السيرة مليئةٌ بمواقف العفو، التي تُظهر أنَّ الأصل في التعامل هو الرحمة، وأنَّ القتال كان استثناءً تفرضه الظروف، لا قاعدةً دائمةً، وقد أوضحنا ذلك بالتفصيل في كثيرٍ من الأجوبة السابقة.
وفي المحصِّلة، إنَّ كلَّ رسالةٍ إلهيَّةٍ تحمل منظومةً أخلاقيَّةً وتتعامل مع واقعٍ مختلفٍ، والإسلام جمع بين الرحمة والعدل في آنٍ واحدٍ. كما أنَّ العقيدة الإسلاميَّة تقوم على الإيمان بجميع الأنبياء دون تفريقٍ، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾، فليست المقارنة قائمةً على أساسٍ عقديٍّ أصلاً، وإنَّما على قراءةٍ انتقائيَّةٍ تختزل سيرة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في جانبٍ واحدٍ، وتتجاهل سياق الرّسالات واختلاف أدوارها، ومن يقرأ بإنصافٍ يدرك أنَّ الإشكال في طريقة النظر لا في حقيقة الدين.
اترك تعليق