هل المشكلة في قصة موت سليمان (ع) أم في طريقة فهمنا لها؟
السؤال: إنَّ قصة موت الملك العظيم سليمان الحكيم واقفاً متكئاً على عصاه زمناً دون أنْ يعلم به أحدٌ، هي قصةٌ خياليَّةٌ خرافيَّةٌ لا يقبلها عقلٌ سليمٌ. حيث بقى الملك سليمان العظيم- كما يدَّعي مؤلف القرآن - ميتاً واقفاً متكئاً على عصاه زمناً طويلاً حتى سقط على الأرض بعد أنْ أكلت الدابَّةُ (حشرة الأرضة) عصاه التي كان يتوكأ عليها، إنَّها قصةٌ في غاية الغرابة والسخف، ملكٌ عظيمٌ مثل سليمان يموت واقفاً متكئاً على عصاه ويبقى زمناً بهذه الحالة وهو ميتٌ، ولا تدري به حاشيته ولا أهله ولا يشعر به جنوده أو وزراءه، فهل كان الملك سليمان يعيش في الصحراء وحيداً ومات هناك واقفاً دون أنْ يعلم به أحدٌ ؟ حتى البدويّ الجاهل لا يصدق هذا الكلام .
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
أوّل ما ينبغي التنبيه عليه أنَّ القرآن حين يذكر هذه الحادثة، لا يقدّمها بوصفها "حالةً طبيعيَّةً" لحياة البشر، بل يربطها بسياقٍ محددٍ: سياق تسخير الجنّ لسليمان (ع)، وسياق نفي علم الغيب عنهم. فالقضية ليست مجرد "طريقة موتٍ غريبةٍ"، بل رسالةٌ مقصودةٌ: أنَّ هؤلاء الجنَّ الذين كانوا يعملون بين يدي سليمان (ع)، لا يعلمون الغيب، ولو كانوا يعلمون ما لبثوا في العذاب المهين.
فالنصّ القرآنيّ نفسه يصرّح بالغاية: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ...} [سبأ: 14]، أي أنَّ المسألة ليست حادثةً عبثيَّةً، بل واقعةٌ موجهةٌ لكشف وهمٍ معرفيّ كان قائماً.
أما من جهة "العقل"، فأين الاستحالة هنا؟ هل يستحيل عقلاً أنْ يموت إنسانٌ وهو متكئٌ؟ الجواب: لا. هل يستحيل أنْ يبقى جسده مدَّةً دون أنْ يُدرك موته مباشرةً، خصوصاً إذا كان في موضعٍ خاصٍّ أو في سياق إيصال رسالةٍ معينةٍ؟ أيضاً لا.
الإشكال الحقيقيّ هنا أنَّ المعترض يتخيل صورةً دراميَّةً غير مذكورةٍ في النصّ، ثم يبني عليها اعتراضه، يتخيل أنَّ سليمان كان "واقفاً أمام الناس جميعاً" وأنَّ الجميع ينظر إليه لحظةً بلحظةٍ، ثم يقول: كيف لم يكتشفوا موته؟ بينما القرآن لم يقل ذلك، لم يحدد المشهد بهذه الطريقة، بل تركه ضمن إطارٍ عامّ: كان متكئاً، والجنّ يعملون، ولم ينتبهوا لموته حتى سقط، فالمقصود في خطاب الآية هم الجنّ الذين جهلوا موته؛ لأنَّهم هم المعنيون بنفي علم الغيب عنهم، فإسقاط صورة "حاشيةٍ ووزراء وجنود يراقبونه بدقةٍ ولا ينتبهون" هو إضافةٌ من ذهن المعترض، لا من النصّ.
والأهمّ من ذلك أنَّ القرآن حين يذكر هذه القصة، لا يريد أنْ يلفت الانتباه إلى غرابتها بقدر ما يريد أنْ يعلّمنا معنىً أعمق، سليمان (عليه السلام) الذي أُعطِي ملكاً عظيماً، تنتهي قصته بمشهدٍ بسيطٍ لكنَّه يكشف حقيقةً مهمةً: مهما بلغ الإنسان من قوةٍ، تبقى قدرته محدودةً، كما أنَّ القصة تزيل وهماً كان موجوداً، وهو أنَّ بعض المخلوقات – كالجنّ – تعرف الغيب، فهؤلاء الجنّ- رغم ما يُنسب إليهم من قدراتٍ- ظلوا يعملون وهم يظنون أنَّ سليمان حيٌّ، ولم يدركوا موته إلَّا بعد زمن،. وهذا بحدّ ذاته رسالةٌ واضحةٌ: أنَّ الغيب لا يعلمه إلَّا الله.
أمّا وصف القصة بأنَّها "سخيفةٌ" أو "لا يصدّقها حتى البدويّ"، فهو في الحقيقة تعبيرٌ انفعاليٌّ لا حجَّة فيه؛ لأنَّ الحكم العقليّ لا يُبنى على الاستهجان، بل على البرهان.
ويبقى السؤال الحقيقيّ: هل في القصة استحالةٌ عقليَّةٌ؟ الجواب: لا. كلّ ما فيها أنَّها غير مألوفةٍ، وهذا وحده لا يكفي لرفضها.
وفي المحصّلة، الإشكال ليس في القصة، بل في طريقة التفكير التي تحاكمها. هناك عقلٌ ضيقٌ لا يرى الحقيقة إلَّا فيما اعتاده، فيجعل من المألوف معياراً للحكم، وكلّ ما خرج عنه يُتهم بالخرافة دون برهانٍ، أما العقل المنضبط فيدرك أنَّ الواقع أوسع بكثيرٍ من حدود التجربة اليوميَّة، وأنَّ جهلنا بشيءٍ لا يعني أنَّه غير موجودٍ، بل يعني فقط أنَّنا لم نُحط به علماً بعد.
اترك تعليق