هل أمر النبي (ص) في مرض موته أبا بكر أن يصلي بالناس؟
السؤال: لم يصلّ أبو بكر إماماً للمسلمين صلاةً واحدةً، ولا خمسة، بل ١٧ صلاةً كاملة، أمر النبيّ (صلى الله عليه وسلم) في مرض موته أبا بكر أنْ يصلي بالناس، فصلى بهم سبعة عشر صلاة؟
الجواب:
يبدو أنَّ السائل نقل ما ذكره ابن تيمية في ردّه على العلّامة الحليّ حيث قال: (ولم تكن الصلاة التي صلّاها أبو بكر بالمسلمين في مرض النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) صلاةً ولا صلاتين، ولا صلاة يومٍ ولا يومين... وأقلّ ما قيل: إنَّه صلى سبعة عشر صلاة، صلى بهم العشاء الأخيرة ليلة الجمعة، وخطب بهم يوم الجمعة هذا ما تواترت به الأحاديث الصحيحة) [منهاج السنة ج5 ص486].
وفي مصادر أهل السنة الكثير من الروايات التي تشير إلى صلاة أبي بكر بالمسلمين في أيام مرض رسول الله (ص)، وقد تطرّق العلامة السيّد جعفر مرتضى العامليّ في كتابه (الصحيح من سيرة النبيّ الاعظم) لجميع هذه الروايات، وبيّن ما فيها من تناقضٍ واختلاف.
ومن بين تلك التناقضات التي أشار إليها: اختلاف الروايات في عدد الصلوات التي صلاها أبو بكر بالمسلمين، فبعضها يصرّح بأنَّها كانت طيلة مرض النبيّ كما في كتاب [الأم للشافعي ج7 ص210]، وبعضها تحصرها في سبع عشرة صلاةً كما في [تاريخ الطبريّ ج2 ص440]، وبعضها تجعلها ثلاثة أيامٍ كما في [الكامل في التاريخ ج2 ص322]، وبعضها تجعلها ستَّ أو سبعَ صلواتٍ كما في [أسد الغابة ج4 ص68]. وهذه النوع من الاختلاف يستوجب الوقوف عند هذه الحادثة بعينٍ فاحصةٍ دون إرسالها إرسال المسلمات.
وهنا يجب أنْ نشير إلى أنَّ اختلاف هذه الروايات لم يقف عند هذه الحدود، وإنما امتدت هذه الاختلافات لتشكك في أصل تعيين رسول الله (ص) لأبي بكر للصلاة بالمسلمين، ففي بعضها يقول رسول الله (ص): «مروا أحدكم فليصلِّ بالناس»، وفي بعضها يقول: «مروا عمر يصلي بالناس»، وقد أشارت معظم الروايات تقريباً إلى أنّ رسول الله (ص) خرج إلى المسجد عندما صلى أبو بكر بالناس، وقد كان في حالة من الإعياء والتعب، وكان يستند على رجلين ورجلاه تخطّان في الأرض من الألم، فاستأخر أبو بكر، فأشار إليه رسول الله أنْ كما أنت، فجلس رسول الله إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله وهو جالس، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر!
وهذه الأخبار تؤكَّد أنَّ الذي صلى بالمسلمين هو رسول الله مع ما به من المرض، فإنْ كان هو الذي أمر أبو بكر بالصلاة فلماذا أتى وهو في هذه الحالة؟
فعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: «دخلتُ عليّ عائشة، فقلتُ: ألا تحدّثيني عن مرض رسول الله (ص)؟ قالت: بلي، ثقل النبيّ (ص)، فقال: أصلي الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك. قال: ضعوا لي ماءً في المخضب، قالت: ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه. ثم أفاق، فقال: أصلي الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ماء في المخضب. قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء، فأغمي عليه. ثم أفاق فقال: أصلي الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ماءً في المخضب. فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه. ثم أفاق فقال: أصلي الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: ضعوا لي ماءً في المخضب، فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه. ثم أفاق فقال: أصلي الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. والناس عكوفٌ في المسجد ينتظرون النبيّ (ص) لصلاة العشاء الاخرة. فأرسل النبيّ (ص) إلى أبي بكر بأنْ يصلي بالناس، فأتاه الرسول، فقال: إنَّ رسول الله (ص) يأمرك أنْ تصلي بالناس. فقال أبو بكر - وكان رجلاً رقيقاً - : يا عمر، صلِّ بالناس. فقال له عمر: أنت أحقُّ بذلك. فصلى أبو بكر تلك الايام. ثم إنَّ النبيّ صلي الله عليه [وآله] وسلم وجد من نفسه خفة، فخرج بينة رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبيّ (ص) بأنْ لا يتأخر. قال: أجلِسَاني إلى جنبه. فأجلساه إلى جنب أبي بكر. فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتمُّ بصلاة النبيّ (ص)، والناس بصلاة أبي بكر والنبيّ (ص) قاعد» [صحيح البخاري ج1 ص243].
فإذا كان أبو بكر هو الإمام الذي عينه رسول الله (ص)، وهو الذي صلى بالناس سبعة عشرة صلاة، فلماذا هذا الإصرار من رسول الله ليأتي للمسجد وهو بهذه الحالة ليصلي هو بالناس؟
ولماذا ينتظر حتى يغتسل ويغمى عليه أربعة مرات حتى يرسل في طلب أبي بكر ليصلي بالناس؟ ولماذا بعد أنْ أمره يلحق به ليصلي هو بالناس؟
وكثيرة هي الأسئلة التي تكشف عن غموض هذه الروايات؛ ولذا قال المظفر تعليقاً على هذه الحادثة: (وأحسب أنَّ أصل الواقعة أنَّ النبيّ (ص) أمر الناس بالصلاة لما تعذر عليه الخروج، من دون أنْ يخصَّ أحداً بالتقديم، فتصرف متصرّفٌ، وتأوَّل متأوّل. ولـمّا بلغ ذلك أسماع النبيّ التجأ أنْ يخرج يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطّان الأرض من الوجع، فصلى بالناس جالساً صلاة المضطرين، ليكشف للناس هذا التصرف الذي استبد به عليه) [السقيفة ص52ـ54].
ويعقب السيد جعفر مرتضى العامليّ على كلام المظفر بقوله: (أو ليكشف للناس أنَّ من تصدى للصلاة لم يكن جامعاً لشرائطها المقررة في الشرع الشريف. وربما يكون النبيّ (ص) لم يأمر بالصلاة أصلاً، فضلاً عن أنْ يكون قد سمّى أحداً لها، فاغتنم البعض الفرصة ليوهم الناس: أنَّ فلاناً بعينه هو المرضي بعد رسول الله (ص)، فخرج النبيّ (ص) بنفسه لينقض هذا التصرف منهم) [الصحيح من سيرة النبيّ ج32 ص300].
وللوقوف على جميع الروايات التي جاءت في هذا الصدد، يمكن مراجعة الرسالة التي كتبها العلامة السيد علي الحسيني الميلاني بعنوان (استخلاف النبيّ أبا بكر للصلاة)، وهي موجودة في المكتبة الشيعية على شبكة الانترنت.
ومن أهم الأدلة التي تشكك في أصل وقوع هذه الحادثة: هو أنّ رسول الله أمر بإخراج جيش أسامة أبن زيد، وكان أبو بكر ضمن هذا الجيش، فيكيف والحال هذا يكون رسول الله أمره أنْ يصلي بالناس وهو جنديٌّ بين يدي أسامة؟
وقد أكَّدت الكثير من المصادر السنيَّة على وجود أبي بكر في جيش أسامة، كالذهبيّ حيث قال: (أمر النبيّ (ص) بالتهيؤ لغزو الروم، ودعا أسامة بن زيد، فقال: سِرْ إلى موضع مقتل أبيك، فأوطِئْهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش. فأغِرْ صباحاً على أهل أبنى، وأسرع السير، تسبق الأخبار. فإنْ ظفرتَ فأقلِلِ اللبث فيهم، وقدّم العيون والطلائع أمامك.
فلما كان يوم الأربعاء، بدئ برسول الله (ص) وجعه. فحمَّ وصدع. فلما أصبح يوم الخميس، عقد لأسامة لواء بيده، فخرج بلوائه معقوداً يعني أسامة. فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلميّ، وعسكر بالجرف. فلم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلّا انتدب في تلك الغزوة، فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة) [تاريخ الإسلام ج2 ص713ـ714].
وجاء في الطبقات الكبرى لابن سعد: (..وعسكر بالجرف فلم يبق أحدٌ من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلّا انتدب في تلك الغزوة، فيهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، و سعيد بن زيد، وقتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش.
فتكلّم قومٌ وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين، فغضب رسول الله (ص) غضباً شديداً، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة، وعليه قطيفة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، أيّها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟ ولئن طعنتُم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله. وأيم الله، إنْ كان للإمارة لخليقاً، وإنَّ ابنه من بعده لخليقٌ للإمارة، وإنْ كان لمن أحبّ الناس إليّ، وإنّهما لمخيلان لكلّ خير، واستوصوا به خيراً، فإنّه من خياركم».
ثم نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله (ص) إلى العسكر بالجرف) [الطبقات الكبرى ج2 ص190].
ونقل ذلك أيضاً ابن حجر في [فتح الباري ج 8 ص115]، وبرهان الدين الحلبيّ الشافعيّ في [السيرة الحلبيَّة ج3 ص227] وغيرهما.
اترك تعليق