هل حضور أهل الكساء في آية المباهلة بملاك القرابة أو الاصطفاء؟
السؤال: يقرّر ابن تيمية في كتابه: [منهاج السنَّة النبويَّة: 7/ 125]. أنَّ خروج أصحاب الكساء في المباهلة لم يكن لفضلٍ ذاتيٍّ فيهم، بل لضرورةٍ نَسَبيَّةٍ اقتضاها عرف المباهلة، وهي أنْ يباهل الرجل بأقرب الناس إليه دماً لبيان صدقه، ولو خرج بـ "الأبعدين" نَسَبًا -وإنْ كانوا أفضل عند الله-لما حصل مقصود المحاجَّة. فما ردُّكم عليه، وهل صحيحٌ أنَّ مقتضى مباهلة نصارى نجران كانت شرطها بالأقربين نسبًا لا بالأبعدين رغم مكانتهم في الإسلامِ؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم – أيّدك الله – أنَّ ابن تيمية قد رام تجريد أهل الكساء (صلوات الله عليهم) عن خصوصيَّة المنقبة في واقعة المباهلة؛ إذ زعم أنَّ إخراجهم لم يكُ لِمزيَّةٍ فيهم، بل لمحضِ القربى النَّسَبيَّة، مُدَّعياً أنَّ مَلاك المحاجَّة وقِوام المباهلة إنَّما هو بالرَّحمِ واللَّحمة، بدعوى أنَّ الأباعد -وإنْ سموا في رتب الفضل -لا يشجيهم ما يشجي ذوي القربى، فلا يحصل بهم مقصود الابتَهال كما يحصل بالأقربين.
والتحقيق يقتضي تزييف هذه الملازمة من وجوه:
الوجه الأول: إنَّ سياق التحدي في قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ...} يكشفُ عن كون التعيينِ حُكماً إلهيَّاً توقيفيَّاً لا اختياراً نبويَّاً بشريَّاً؛ بدليلِ انحصار الخروج في أعيانٍ مخصَّصةٍ دون عموم الأقربين. فلو كان المِلاكُ هو مطلق القرابة لصحَّت التوسعة لغيرهم، ولَمّا انتفى ذلك عُلم أنَّ الاختيار سماويٌّ مَبنيٌّ على الأفضليَّة الرُّتبيَّة.
الوجه الثاني: لو سُلّم جدلاً باعتبار الأقربيَّة النسبيَّة، فهي مأخوذةٌ على نحو الطريقيَّة كعنوانٍ كاشفٍ عمّن جمعوا السيادة المطلقة في الدينيّ، لا على نحو محضِ صلة الرحم؛ إذ مِلاكُ المحاجَّة شرعاً وعقلاً هو التضحية بـ «الأعزّ» إثباتاً لصدق الدعوى، ولا عِزة لمخلوقٍ عند الخالق بمجرد العلقة النسبيَّة ما لم تكن مَشروطةً بمقام القرب والقربى. وعليه، فإنَّ حصر المسألة في حصول المقصود بالأقربين هو تغافلٌ عن الحقيقة الكلاميَّة للآية، وهي أنَّ عطف المصاديق (أنفسنا، نساءنا، أبناءنا) سِيقَ لبيان منزلة أعزّ الخلق لله ورسوله، ليكون الخروج بهم إتماماً للحجة وقطعاً للأعذار.
وهذا ينسف دعوى ابن تيمية بأنَّ العلة هي حصول مقصود المحاجَّة بالأقربين؛ لأنَّ المقصود إنَّما يحصل بمن يمثّل نفس المتحدّي وكمال حقيقته.
الوجه الثالث: لو كان محضُ القرب النسبيّ هو العلةَ التامَّة للمباهلة، لانتفت خصوصيَّةُ المباشرين، ولَزمَ تشريكُ سائر بني هاشم؛ لمساواتهم أو تقاربهم في الرتبة الرحميَّة. فلَمّا وقع الحصرُ الإلهيُّ في هؤلاء الأربعة دون غيرهم من الأقارب، بطلَ أن يكون المِلاكُ هو القرابة بما هي هي، وتعيّن كونه القرابة المقيّدة بالكمال.
الوجه الرابع: إنَّ حصر العلة في محض النَّسب يفرغ فعل النبيّ (صلى الله عليه وآله) من قيمته التشريعيَّة؛ إذ لو كان مطلق الأقربيَّة مِلاكاً للتأثير واستنزال النصر، لساوى خروج سائر القرابات - كعقيل أو العباس - خروجَ عليٍّ والحسنين (ع)، وهو باطلٌ عقلاً ونقلاً؛ لأنَّ الله (عز وجل) لا يباهي إلا بمن يمثل جوهر دينه. وعليه، فإنَّ تعليق الحكم على القرب النسبيّ دون الفضل تعليقٌ على غير مِلاك، يجرّد المباهلة من خصيصة الإعجاز ويحيلها إلى عرفٍ قَبَليٍّ، وهو ما ينافي حكمة البعثة.
الوجه الخامس: إنَّ إطلاق لفظ {وَأَنْفُسَنَا} على عليٍّ (عليه السلام) يخرج بالاستدلال من ضيق القرابة إلى سعة المساواة في الفضل؛ إذ من المحال عقلاً إرادة النفس الحقيقيَّة، فتعيّن حَمْلُه على المساواة في الكمالات والرتبة الوجوديَّة.
وهذا ينسفُ دعوى ابن تيمية؛ إذ لو كان المِلاكُ هو حصول مقصود المحاجَّة بالأقربين لَما عُدِل عن لفظ القرابة إلى لفظ النفسيَّة الذي يقتضي اتحاد الشأن والمنزلة. فالمباهلةُ لم تقع بـ «القريب» بما هو قريبٌ، بل بـ «النفس» التي لا يُمثّل كمالَها وصِدقَها إلا مَن هو في رتبة النبيّ (صلى الله عليه وآله) طهارةً وفضلاً.
الوجه السادس: إنَّ الروايات المتواترة في سبب النزول تقطع بأنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) خَصَّ هؤلاء الأربعة بقوله: «اللهم هؤلاء أهلي»، وهو تصريحٌ بنقل اللفظ من العموم النَّسبيّ إلى الخصوص الرُّتبيّ. فلو كانت العلة هي محض القرابة النسبيَّة؛ لكان تخصيصهم دون سائر بني هاشم ترجيحاً بلا مرجح، وهو قبيحٌ في حكمة التشريع. فالحصرُ النبويُّ قرينةٌ على أنَّ هؤلاء هم أهلُ بيتِ الوحي الذين يمثّلون الامتداد الرساليّ، لا مجرد ذوي القربى، ممَّا يُبطل زعم ابن تيمية.
يتّضح ممَّا سبق أنَّ دعوى ابن تيمية في قصر علة المباهلة على محض النسب هي مغالطة تنهدم أمام برهان الحصر الإلهيّ وشهادة المناسبة بين الحكم والموضوع؛ إذ إنَّ مقام المحاجَّة الكبرى يقتضي في الشاخصين رتبةً وجوديَّةً تقترن بصدق الرسالة، وهو ما لا ينهض به إلا الأكمل فضلاً لا الأقرب طيناً. فجاء اختيار هؤلاء الصفوة (عليهم السلام) بياناً لأصالة كمالهم، وجعل النسب تبعاً للفضل لا علةً له، ممَّا يثبت انحصار ملاك الحجيَّة والسيادة المطلقة فيهم دون غيرهم.
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.
اترك تعليق