من هم البدريون في زيارة أبي الفضل العباس (ع)؟

السؤال: ورد في زيارة مولانا العبَّاس (عليه السلام) نقول: «أشهد وأشهد الله أنَّك مضيت على ما مضى به البدريّون». فمَن هم البدريّون؟ هل شهداء بدر، أم كلُّ من حضر يوم بدر؟ أم هي كنايةٌ عن أحدٍ ما؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية لا بأس بالإشارة إلى جملةٍ من مصادر زيارة أبي الفضل العبَّاس المرويَّة عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) والمتضمِّنة لوصف أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام) بالمضيّ على ما مضى عليه البدريّون.

منها: [كامل الزيارات ص440، المزار للمفيد ص121، تهذيب الأحكام ج6 ص66، المزار لابن المشهدي ص388، مصباح الزائر ص٢١٣، المزار للشهيد الأوَّل ص164]، وغيرها من المصادر الكثيرة.

إذا بان هذا فنقول: إنَّ المراد من عنوان «البدريّين» في هذه الزيارة الشريفة يُحتمل فيه وجهان بل قولان:

القول الأوَّل: من شارك في معركة بدرٍ الكبرى:

ويظهر هذا القول من كلمات العلَّامة المقرَّم (طاب ثراه) حيث قال: (لقد جرى التشبيه بالبدريّين مجرى التقريب إلى الأذهان في الإشادة بموقف أبي الفضل من البصيرة، فإنَّ أهل بدرٍ أظهر أفراد أهل البصائر؛ لأنَّهم قابلوا طواغيت قريشٍ على حين ضعفٍ في المسلمين، وقلَّةٍ في العدَّة والعتاد، فلم يملكوا إلَّا فرسين، أحدهما لمرثد بن مرثد الغنويّ، والآخر للمقداد بن الأسود الكنديّ، وكانوا يتعاقبون على سبعين بعيراً الاثنان والثلاثة، لكنَّهم خاضوا غمرات الموت تحت راية النبوَّة بقوة الإيمان وعتاد البصيرة ـ إلَّا من استولى الرين على قلبه ـ فردُّوا سيوف قريشٍ مفلولةً ورماحهم محطَّمةً وجموعهم بين قتلى وأسرى ومشرَّدين، فحظوا بأوَّل فتحٍ إسلاميّ قويت به دعائمه، وشيِّدت معالمه، مع الإمداد بثلاثة آلافٍ من الملائكة مسوِّمين) [العبَّاس بن أمير المؤمنين ص190].

وكذلك من كلمات الباحث حيدر الجد، حيث قال: (معنى ذلك أنَّ الإمام (عليه السلام) يقول: أنا أقرُّ وأعترفُ وأجعل الله شاهداً لما أُقرُّ به، إنَّك قد أردت بنصرتك الحسين (عليه السلام) السير بسيرة البدريّين الذين شهدوا معركة بدرٍ الكبرى التي وقعت في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان سنة ‎(2)‏ للهجرة، عندما نصروا النبيَّ محمَّداً (صلَّى الله عليه وآله)، وقد أجمعت الأمَّة على أنَّ السابقين إلى الجهاد هم البدريّون، وقد نزلت آياتٌ في القرآن الكريم في مدح البدريّين، منها قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَالله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: 13]، وهذه شهادةٌ من الله لأصحاب بدرٍ بخلوص نيَّتهم وأنَّهم ما قاتلوا يوم ذلك حميَّةً ولا شجاعةً ولا لترى أماكنهم. وإنَّما قاتلوا في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فأيَّدهم الله بنصره، والله يؤيِّد بنصره من يشاء) [وهج النبراس في شرح زيارة العبَّاس ص68].

القول الثاني: من استُشهد في المعركة منهم:

ويظهر هذا القول من كلمات العلَّامة الشيخ باقر القرشيّ (طاب ثراه) حيث قال: (لقد شهد الإمام الصادق (عليه السلام) العقل المفكِّر والمبدع في الإسلام، وأشهد الله تعالى على ما يقول من أنَّ عمَّه أبا الفضل العبَّاس (عليه السلام) قد مضى في جهاده مع أخيه أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام) على الخطِّ الذي مضى عليه شهداء بدرٍ الذين هم من أكرم الشهداء عند الله، فهم الذين كتبوا النصر للإسلام، وبدمائهم الزكيَّة ارتفعت كلمة الله عاليةً في الأرض، وقد استشهدوا وهم على بصيرةٍ من أمرهم ويقينٍ من عدالة قضيَّتهم. وكذلك سار أبو الفضل العبَّاس على هذا الخطِّ المشرق، فقد استشهد لإنقاذ الإسلام) [العبَّاس بن علي ص45].

وكذلك من كلمات السيد المدرسيّ (دام ظلُّه) حيث قال: (وهذه شهادة حقٍّ تنبعث من فم الإمام المعصوم ـ الإمام الصادق (عليه السلام) -على أنَّ طريق العبَّاس (عليه السلام) كان طريق أهل بدرٍ، فمن هم البدريّون؟ إنَّهم الذين ساهموا في ترسيخ دعائم الرسالة الإلهيَّة، واستبسلوا في الدفاع عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وهم قلةٌ قليلةٌ، وواجهوا عدواً يفوقهم عدداً وعدَّةً. وكذلك العبَّاس (عليه السلام) وأنصار الحسين (عليه السلام) ساهموا في ترسيخ أصول الحقِّ في مواجهة الردَّة التحريفيَّة لبني أميَّة، وواجهوا الأعداء الشرسين، وقاتلوا حتَّى قتلوا، وكان التقدير الإلهيُّ أنْ يجعل من شهادتهم نصراً لرسالتهم، ومن دمائهم شهادةً على صدقهم. وكانت المواجهة بحاجةٍ إلى أسمى درجات النصيحة والصبر، والمبالغة في الدفاع عن الحقِّ، والذبِّ عن أحباء الله. وهكذا كانت أعظم معركةٍ وأسمى ملحمةٍ، وأعلى درجات الشهادة) [العبَّاس بن علي ص ٤٨].

الصحيح من القولين:

والظاهر أنَّ الأقرب إلى الصحَّة والقبول هو القول الثاني؛ لأنَّ بعض مَن شارك في معركة بدرٍ الكبرى قد بدَّل وغيَّر كما هو واضح، بخلاف الذين استشهدوا فيها، فإنهم القدر المتيقَّن من المقبولين والمرضيّين عند الله تعالى ورسوله وأهل بيته (عليهم السلام).

مضافاً إلى ذلك ما ورد في سياق زيارته (عليه السلام) حيث يُفهم منها خصوص الشهداء، حيث قال (عليه السلام): «أَشهدُ وأُشهد الله أنك مضيت على ما مضى عليه البدريّون، والمجاهدون في سبيل الله، المناصحون له في جهاد أعدائه، المبالغون في نصرة أوليائه، الذابُّون عن أحبائه، فجزاك الله أفضل الجزاء، وأكثر الجزاء، وأوفر الجزاء، وأوفى جزاء أحدٍ ممن وفى ببيعته، واستجاب له دعوته، وأطاع ولاة أمره. وأَشهد أنك قد بالغت في النصيحة، وأعطيت غاية المجهود، فبعثك الله في الشهداء، وجعل روحك مع أرواح السعداء، وأعطاك من جنانه أفسحها منزلاً، وأفضلها غرفاً، ورفع ذكرك في علِّيّين، وحشرك مع النبيّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً» [كامل الزيارات ص٤٤١].

بقي شيء:

وهو أنه يُحتمل أنْ يكون المراد من وصف (البدريّين) في الزيارة الشريفة هو الكناية عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حيث يُعدُّ الأبرز في تلك المعركة، فكان أبو الفضل العبَّاس (عليه السلام) ماضياً على خطى ومنهاج أبيه (عليه السلام)، وهو ما يُساعد عليه الاعتبار، بل والأوصاف التي ذكرها الإمام الصادق (عليه السلام) لأهل بدرٍ التي تنسجم تماماً مع ما عُرف عن بسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) وجهاده في سبيل الله تعالى، كما هو بيِّن، والله العالم.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ المقصود من وصف البدريّين في زيارة أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام) هو الأصحاب الذين استُشهدوا في المعركة، مع احتماليَّة إرادة أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) خاصَّةً.. والحمد لله ربِّ العالمين.