هل صح أن عثمان بن عفان لم يسجد لصنم قط؟
السؤال: هل يصح أن عثمان بن عفان لم يسجد لصنم قط؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم - أيّدك الله - إنّ منقبة التنزّه عن دنس الجاهليّة، والسبق إلى التوحيد الخالص دون سابقة سجودٍ لصنمٍ أو خضوعٍ لوثنٍ، هي خصيصةٌ انفرد بها مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) دون سائر الصحابة؛ ولأجل هذه المزيّة الفريدة، جرى لسان المخالفين بخصّه بتكريم الوجه عند ذكره، جرياً على العلّة التي فصّلناها في معرض الجواب المعنون بـ: (العلّة التي من أجلها خُصَّ أمير المؤمنين بقول: «كرّم الله وجهه»).
إنّ الاستقراء التاريخيّ والواقعيّ لبيئة مكّة وقريش قبيل البعثة يثبت أنّ الأصل الحاكم كان هو الشرك العباديّ، ولم يشذّ عن هذا الأصل إلّا بيوتاتٌ محدودةٌ جدّاً، وعلى رأسهم بنو هاشم الذين انعقد إجماع الطائفة المحقّة -بمقتضى الأدلة العقليّة والنقليّة-على طهارة مولدهم وإيمان آبائهم وصولاً إلى النبيّ إبراهيم (عليه السلام)، إضافةً إلى فئةٍ نادرةٍ عُرفت بالتحنّف.
وحيث إنّ عثمان بن عفّان نشأ في عمق المجتمع الأمويّ القرشيّ المشبع بالوثنيّة، ولم يرد في أمّهات المصادر التاريخيّة أو كتب السير المتقدّمة ما يشير إلى اعتزاله للأصنام أو مباينته لمعتقدات قومه - كما نُقل عن زيد بن عمرو بن نفيل أو ورقة بن نوفل -، فإنّ مقتضى القواعد العلميّة هو جريانه على دين قومه وعبادة أوثانهم.
ممّا يؤكّد هذا المعنى أنّ إسلام الرجل كان في سنٍّ متأخّرةٍ، إذ قارب أو تجاوز الثلاثين من عمره، وهي مدّةٌ زمنيّةٌ طويلةٌ كافيةٌ لترسّخ العادات الجاهليّة والطقوس العباديّة الوثنيّة. وبالتتبّع في سجلات صباه وشبابه، نجد خلوّاً تامّاً من أيّ موقفٍ اعتراضيٍّ أو استنكاريٍّ للأصنام التي كانت تملأ الكعبة وتطوف بها قريش، بخلاف أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي وُلد في جوف الكعبة وتربّى في حجر النبوّة، فلم ينجس بآثار الجاهليّة ولم يلبس من مدلهمّات ثيابها.
فما ذهب إليه بعض الكتّاب والمتأخّرين من الزعم بأنّ عثمان لم يسجد لصنمٍ قطّ، لا يعدو كونه دعوىً بلا دليلٍ، مجرّدةً عن السند، أملتها الرغبة في المحاباة والمفاضلة المتكلّفة لرفع شأنه ومحاولة إيجاد نظيرٍ لمنقبة عليّ (عليه السلام).
فهذه الدعاوى تصطدم بـ:
أوّلاً: فقدان الدليل المعاصر؛ إذ هو ممّا لم يقم عليه شاهدٌ من نصوص الكتاب العزيز، ولا أثرٌ مرويٌّ في السنّة الشريفة، ولا نُقل في مأثورات الصدر الأوّل. بل إنّ الوجدان القائم لدى أساطين المخالفين يضادّ ذلك؛ فهذا ابن تيميّة —على ما هو عليه من المشرب الأمويّ والنصب الظاهر— لم يدّعِ هذه الفضيلة لثالث الخلفاء. بل نجده في مقام الردّ على العلّامة الحلّيّ (أعلى الله مقامه) عند استدلاله بحديث الوصيّة: «انتهت الدعوة إليَّ وإلى عليٍّ، لم يسجد أحدنا لصنمٍ قطّ...»، ينفي خصوصيّة المزيّة بقوله: (إنّ كون الشخص لم يسجد لصنمٍ فضيلةٌ يشاركه فيها جميع من وُلد على الإسلام، مع أنّ السابقين الأوّلين أفضل منه) [منهاج السنّة ج7 ص134]، وهو اعترافٌ صريحٌ بانتفاء هذا الوصف عن غير أمير المؤمنين (عليه السلام) ومنهم عثمان بن عفّان.
وثانياً: سكوت الرجل عن المنقبة؛ فلو كانت له هذه المزيّة لافتخر بها في مواطن الاحتجاج (يوم الشورى أو يوم الدار)، وحيث لم يذكرها مع شدّة حاجته لتعداد فضائله، عُلم عدم ثبوتها.
بناءً على ما تقدّم، يثبت بالدليل القاطع أنّ عثمان بن عفّان كان على دين قومه من عبادة الأصنام والسجود لها قبل إسلامه، حاله في ذلك حال عامّة قريش، وأنّ وصف (كرّم الله وجهه) يظلّ علماً بالغلبة والشرعيّة على أمير المؤمنين (عليه السلام) وحده، لسلامة جبهته من السجود لغير الله منذ الولادة وحتّى الشهادة، وهو ما يفسّر استمرار هذا اللقب في تراث المسلمين رغم محاولات التسوية.
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوّلاً وآخراً.
اترك تعليق