هل اقتصر القرآن في خطابه على بيئة العرب؟
السؤال: هل جاء في القرآن كلام عن مواضيع خارج بيئة العرب وتخص شعوباً أو أمماً أخرى، بحيث يحمل ذلك على الإعجاز؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
القرآن لا يقتصر في خطابه على بيئة العرب، بل يتجاوزها بوضوحٍ إلى الحديث عن أممٍ وشعوبٍ متعدّدةٍ، كقوم فرعون في مصر، وبني إسرائيل في سياقهم التاريخيّ، وأقوام عادٍ وثمودٍ، وغيرهم من الأمم التي لم تكن جزءاً من الواقع المباشر لجزيرة العرب، وهذا الحضور ليس عارضاً، بل يُشكّل جزءاً أساسياً من البناء القرآنيّ، حيث تُستحضر هذه النماذج بوصفها تجارب إنسانيّةً تحمل سنناً وقوانين عامّةً.
ومن المهمّ التنبيه إلى أنّ مجرّد ذكر أممٍ أخرى لا يمكن اعتباره في حدّ ذاته دليلاً على الإعجاز؛ لأنّ العرب لم يكونوا معزولين تماماً عن غيرهم، بل كان هناك تواصلٌ ثقافيٌّ وتجاريٌّ، وكانت بعض هذه الأخبار معروفةً في الجملة.
فالقرآن لم يأتِ ليقدّم موسوعةً تاريخيّةً أو جغرافيّةً للأمم، بل جاء ليعرض هذه التجارب ضمن رؤيةٍ سننيّةٍ وأخلاقيّةٍ؛ فهو لا يروي القصص بوصفها أحداثاً منفصلةً أو حكاياتٍ للتسلية، بل يركّز على أنماطٍ متكرّرةٍ في التاريخ: صراع الحقّ والباطل، أثر الطغيان، عواقب الظلم، وسنن النهوض والانهيار، ليحوّل التجربة التاريخيّة إلى قانونٍ عامٍّ، لا إلى قصّةٍ محلّيّةٍ.
كما أنّ القرآن لا يتعامل مع هذه الأمم بمنطق الغرابة أو الاستعراض، بل بمنطق العبرة، فلا يركّز على التفاصيل التي لا تغيّر من الدلالة، بل يوجّه الانتباه إلى ما يبني الوعي ويُشكّل الفهم. وهذا ما يجعل خطابه عابراً للزمان والمكان، لا محصوراً في بيئةٍ معيّنةٍ.
وعليه، فإنّ قيمة حديث القرآن عن أممٍ خارج بيئة العرب لا تكمن في مجرّد الذكر، بل في طبيعة المعالجة، وفي تحويل التاريخ إلى سننٍ، والقصص إلى وعيٍ، والتجارب إلى قوانين تُقرأ في كلّ زمانٍ. أمّا اختزال هذه المسألة في كونها "إعجازاً جغرافيّاً أو تاريخيّاً" فليس دقيقاً، لأنّه يُغفل البعد الأعمق في بنية الخطاب القرآنيّ.
اترك تعليق