هل إمامة الإمام الكاظم (ع) نص إلهي أم دعوى بلا دليل؟

السؤال: إمامة الكاظم الإلهيَّة مُرّرت بالصَّفقات ولا نصَّ عليها أصلاً!! هناك أصلٌ منهجيٌّ واضحٌ في مسلكنا الاجتهاديّ البحثيّ الّذي نسير عليه في قراءة أحوال الرّسول والأئمَّة، وفي آليَّات إثبات المقامات الماورائيَّة وأضرابها لهم، وسأعمد لتقريبه إلى ذهن المتابع الجادّ بمثالٍ معاصرٍ بسيطٍ: حينما يُنكر كبار تلامذة المرحوم الخوئيّ ـ أمثال: محمّد الرّوحانيّ، محمّد باقر الصّدر، الكواكبيّ، الغرويّ، صادق الرّوحانيّ، عليّ السّيستانيّ، جواد التّبريزيّ، الوحيد الخراسانيّ… إلخ ـ سماعهم لوصيَّة أستاذهم الخوئيّ لشخص المرجع الّذي يليه مثلاً؛ فهل يُعقل بعد ذلك أن نُصدّق مغموراً هنا أو مجهولاً هناك يدّعي سماعه من المرحوم الخوئيّ قوله: إنَّ فلاناً هو المرجع من بعدي؟! لا شكَّ أنّ هذا غير معقولٍ ولا مُتعارف، خصوصاً إذا افترضنا جدلاً أنّ المرجعيَّة العليا قائمةٌ على أساس التّنصيص، وأنَّ توريثها وذكر اسم من يليها ليس مطلباً عاديَّاً نتفهَّم معه خوف المرحوم الخوئيّ وحراجته من البوح بها حتّى لأقرب طُلّابه وألصقهم به؛ وبالتّالي فمثل هذا الادّعاء غير قابلٍ للتصوّر والمعقوليَّة أصلاً. وفي ضوء هذا المثال الحسّيّ الّذي قد يُقرّب من جهةٍ ويُبعّد من جهات، أقول: حينما يموت الإمام الصّادق، ويحار أجلَّةُ وكبار فقهاءُ ومتكلّمي أصحابه في الإمام الّذي يليه ـ وحيرتهم مشهورةٌ معروفةٌ، واردةٌ في أصحّ النّصوص ومعتبراتها ـ فلا معنى حينئذٍ أن نتمسَّك بروايةٍ هنا أو هناك من أجل أن نثبت إمامة نجله موسى الكاظم من بعده؛ فهذه النّصوص أحسن ما يُقال في وصفها: إنَّها من مصاديق كبرى نحت الأدلَّة بعد الوقوع، نُحلت ووُضعت بعد ذلك من أجل تمرير إمامة الكاظم الّتي تحفَّظ عليها خيرة أصحاب أبيه. احفظ هذا الأصل جيّداً؛ فإذا سقط الأصلُ التاريخيُّ المباشر، واضطربت شهادةُ الدّائرة الأقرب، فالنّصّ الّلاحق ـ مهما حاولوا تصحيحه سنديَّاً أو ليّ مضمونه دلاليَّاً ـ لا ينهض لإقامة مقامٍ إلهيٍّ مطلقٍ كالإمامة الإلهيَّة أو الاثني عشريَّة، وهذا بابٌ يُنفتح لك منه ألف باب، فتدبّر كثيراً.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الطرح يحاول صاحبه – ميثاق العسر – أن يجعله منهجيّاً، لكنّه في حقيقته قائمٌ على قياسٍ فاسدٍ، وانتقاءٍ تاريخيٍّ، وقفزٍ فوق طبيعة القضيَّة الّتي يتحدَّث عنها.

أوّلاً: المثال الّذي بُني عليه الكلام (مرجعيَّة الخوئيّ) ليس مجرّد مثالٍ ضعيفٍ، بل هو قياسٌ فاسدٌ من أساسه، لأنَّه يقيس مقاماً إلهيَّاً – بحسب نفس محلّ النزاع – على ظاهرةٍ بشريَّةٍ محضةٍ. المرجعيَّة لا تقوم على نصٍّ ولا على تعيينٍ، بل هي نتاجٌ علميٌّ اجتماعيٌّ يتكوّن بالتدريج عبر الاعتراف العلميّ والقبول العامّ؛ ولذلك لا معنى أصلاً للبحث فيها عن «وصيَّةٍ» ملزمةٍ. أمَّا الإمامة في الرؤية الشيعيَّة فهي – بحسب نفس الدعوى – منصبٌ إلهيٌّ قائمٌ على النصّ والتعيين، لا على رأي الناس ولا على شهادة التلاميذ.

وعليه، فالمقارنة بينهما ليست فقط غير دقيقةٍ، بل تلغي الفرق الجوهريّ بين «ما يُكتسب» و«ما يُعيَّن»، وبين «ما يُبنى اجتماعيَّاً» و«ما يُفترض أنَّه ثابتٌ بنصٍّ إلهيٍّ». فكيف يُجعل سكوت التلاميذ في نظامٍ لا يقوم على النصّ أصلاً، دليلاً لنفي النصّ في نظامٍ يُفترض أنَّه قائمٌ عليه؟ هذا ليس استدلالاً، بل نقلٌ لمعيارٍ من سياقٍ لا علاقة له بالقضيَّة، ثمَّ فرضه عليها قسراً، وهو خللٌ منهجيٌّ واضحٌ يُسقط الاستدلال من جذوره.

وثانياً: جعل «حيرة بعض أصحاب الإمام الصّادق» دليلاً على عدم وجود نصّ، هو استنتاجٌ متعجّلٌ ومغالطةٌ واضحةٌ؛ لأنَّ الاختلاف لا ينفي الأصل، بل يكشف عن تباين الفهم أو الموقف، فالتاريخ – دينيَّاً وسياسيَّاً – مليءٌ بنصوصٍ ووقائعٍ اختلف الناس حولها مع كونها موجودةً. فهل كلّ ما اختلف فيه الناس يُحكم بعدم وجوده أصلاً؟ هذا قلبٌ للمنهج. إذ يكفي وجود خلافٍ واحدٍ – في هذا التصور – لإسقاط أيّ حقيقةٍ تاريخيَّةٍ أو دينيَّةٍ، وهو ما لا يلتزم به أحدٌ.

وثالثاً: تصوير «كبار الأصحاب» وكأنَّهم كتلةٌ واحدةٌ متفقةٌ على الإنكار، هو انتقائيَّةٌ واضحةٌ لا تعكس الواقع التاريخيّ. فالمصادر نفسها تُظهر أنَّ ما جرى بعد الإمام الصّادق لم يكن موقفاً واحداً، بل تعدّدت فيه الاتّجاهات: فئةٌ قالت بإمامة الكاظم وهم كبار أصحاب الإمام الصّادق (ع)، وأخرى توقّفت، وثالثةٌ ذهبت إلى مساراتٍ مختلفةٍ. فلماذا يُختزل هذا التنوّع كلّه في جانبٍ واحدٍ، ثمَّ يُقدَّم على أنَّه «الموقف العامّ»؟ هذا ليس عرضاً للوقائع، بل إعادة تشكيلٍ لها بما يخدم نتيجةً مسبقةً. وقد نُشرت في موقعنا إجابةٌ مفصَّلةٌ بعنوان: (كيف نفسر وقوع كبار أصحاب الإمام الصّادق (ع) في الحيرة بعد وفاة الإمام (ع)؟)، يمكن مراجعتها.

ورابعاً: الزعم بأنَّ النّصوص الّتي تثبت إمامة الكاظم «وُضعت لاحقاً»، ليس دليلاً، بل هو دعوى تحتاج إلى دليلٍ؛ لأنَّ إطلاق الحكم بالوضع أسهل ما يكون، لكنَّ إثباته وفق منهجٍ علميّ هو التحدي الحقيقيّ.

فهل كلّ روايةٍ لا تنسجم مع النتيجة المسبقة تُرفض بدعوى أنَّها موضوعةٌ؟ أم أنَّ هناك معايير موضوعيَّةً في نقد السند والمتن؟ إنَّ تحويل «عدم القبول» إلى «حكمٍ بالوضع» هو خلطٌ بين الموقف الشخصيّ والمنهج العلميّ.

ثمَّ إنَّ جعل «وجود خلافٍ تاريخيٍّ» مبرِّراً لإسقاط النّصوص لا يستقيم؛ لأنَّ الخلاف لا يُبطل الرواية، وإلا لوجب إسقاط معظم التراث التاريخيّ والدينيّ الّذي نُقل عبر رواياتٍ اختلف الناس حولها. بل إنَّ المنهج الصحيح يقتضي فحص الروايات، لا إلغاءها بالجملة.

والأهمُّ من ذلك أنَّ هذه القضيَّة ليست قائمةً على روايةٍ شاذّةٍ أو خبرٍ منفردٍ، بل هناك عشرات الروايات الصحيحة والموثقة الّتي نقلتها مصادرنا المعتبرة مثل الكافيّ للكلينيّ، وفيها وصيَّة الإمام الصّادق (ع) لابنه الإمام الكاظم (ع). وللمركز جواب منشور بعنوان: (إمامة الإمام موسى الكاظم (ع))، يمكن مراجعته. فهل يُعقل – منهجيَّاً – أنْ تُرفض كلّ هذه النّصوص دفعةً واحدةً بدعوى أنَّها «وُضعت لاحقاً» دون تقديم دليلٍ تفصيليٍّ على ذلك؟ هذا ليس نقداً علميَّاً، بل تعميمٌ يهدف إلى إسقاط النتيجة عبر إسقاط أدلّتها دون مناقشةٍ حقيقيَّةٍ.

وخامساً: ما سُمّي بـ «الأصل المنهجيّ» في هذا الطرح ليس أصلاً منهجيَّاً أصلاً، بل مصادرةٌ على المطلوب مغلّفةٌ بلغةٍ منهجيَّةٍ، فهو يفترض ابتداءً أنَّ اضطراب شهادة الدائرة القريبة يُسقط إمكان إثبات النصّ لاحقاً، دون أن يقدّم دليلاً على هذه القاعدة.

فمن أين جاءت؟ هل هي قاعدةٌ عقليَّةٌ ملزمةٌ، أم مجرّد افتراضٍ صيغ لخدمة نتيجةٍ مسبقةٍ؟

بل الواقع والتجربة التاريخيَّة ينقضان هذا الأصل من جذوره؛ إذ إنَّ كثيراً من القضايا لا تُحسم في جيلها الأول، بل تمرّ بمراحل من الاختلاف، ثمَّ تُفهم وتُدوَّن وتُمحَّص في الأجيال الّلاحقة. فهل يُعقل أن نلغي كلَّ ما استقرَّ لاحقاً لمجرّد أنَّ الجيل الأول اختلف أو تحيّر؟ لو التزمنا بهذا الأصل، لانهدمت معظم المعارف التاريخيَّة والدينيَّة؛ لأنَّ الاختلاف في البدايات ظاهرةٌ طبيعيَّةٌ لا استثنائيَّةٌ.

وسادساً: هذا الطرح يتجاهل – أو يتغافل – طبيعة العمل الروائيّ والعلميّ عند الإماميَّة أنفسهم؛ إذ لم يكن نقل الروايات عندهم عملاً ساذجاً يُقبل فيه كلُّ ما يُروى، بل خضع لمنهجٍ نقديٍّ دقيقٍ في فحص الأسانيد والدلالات وتمييز الصحيح من الضعيف؛ وعليه، فإنَّ تصوير هذه المنظومة العلميَّة الواسعة وكأنَّها مجرّد «نحت أدلَّةٍ بعد الوقوع» ليس نقداً، بل تسطيحٌ مخلٌّ يُلغي قروناً من الجهد العلميّ بضربةٍ واحدةٍ.

بل إنَّ هذا الوصف لا يفسّر الظاهرة بقدر ما يتهرّب منها؛ لأنَّه بدل أن يناقش الروايات وفق معاييرها، ويُبيّن مواضع الضعف فيها إن وُجدت، يقفز مباشرةً إلى حكمٍ عامٍّ يلغيها جميعاً دون تفصيلٍ، وهذا ليس منهجاً علميَّاً، بل موقفٌ مسبقٌ يُستبدل فيه التحليل بالتعميم، والنقد بالتشكيك.

وفي المحصّلة، ما قُدّم هنا لا ينهض دليلاً على نفي إمامة الكاظم، بل هو إعادة صياغةٍ انتقائيَّةٍ للتاريخ عبر قياسٍ فاسدٍ، وتضخيمٍ للخلاف، وافتراضٍ للوضع دون برهانٍ.

الإشكال الحقيقيّ ليس في النّصوص، بل في المنهج الّذي ينتقي ما يوافقه من الوقائع، ثمَّ يُسقط ما يعارضه بتهمةٍ جاهزةٍ أنَّه «وُضع لاحقاً»، دون تحقيقٍ ولا تفصيلٍ.

وهذا ليس بحثاً علميَّاً؛ لأنَّ البحث العلميَّ يبدأ من فحص الأدلَّة لا من الحكم عليها مسبقاً، وينتهي إلى نتيجةٍ لا إلى تبريرٍ، أمَّا هنا، فالنتيجة حاضرةٌ سلفاً، وما يُقدَّم ليس إلا محاولةً لتكييف التاريخ معها، لا لاكتشافها.