هل يتناقض تحريم الرضاع مع إباحة زواج الأقارب؟
السؤال: القرآن حرّم زواج الرضاعة ولم يحرم زواج الأقارب؛ لأنَّ مؤلّف القرآن ليس خالق الإنسان وإنَّما إنسانٌ جاهلٌ ابن زمنه ومكانه، هو لا يعلم شيئاً عن الجينات والأمراض الوراثيَّة، وأنَّ بنت العمّ وابن العمّ نصف إخوة.. ثمَّ يقولون لمن لا يؤمن بدينهم لماذا لا تنكح أختك وهو ينكح نصف أخته.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الطرح لا يصدر عن باحثٍ علميٍّ محايدٍ، بل عن موقفٍ عدائيٍّ مسبقٍ يريد إدانة الدّين بأيِّ طريقةٍ، فالمقارنة الساخرة بين تحريم الرضاع وإباحة زواج الأقارب ليست كشفاً علميَّاً، بل خدعةٌ لغويَّةٌ قائمةٌ على خلط المفاهيم، وعند تفكيكها يتبين أنَّها لا تستند إلى علمٍ، بل إلى تبسيطٍ مخلٍّ وانتقاءٍ متعمّدٍ يخدم موقفاً مقرَّراً سلفاً.
القرآن حين حرّم الرضاع، لم يتعامل معه بوصفه قضيَّةً جينيَّةً، بل بوصفه علاقةً إنسانيَّةً تتشكّل في بيئةٍ واحدةٍ، حيث ينشأ الطفل في كنف امرأةٍ ويرتبط بها وبأبنائها ارتباطاً نفسياً وتربوياً عميقاً.
هذه العلاقة تخلق بنيةً أسريَّةً حقيقيَّةً، تجعل من غير المقبول – من الناحيَّة الفطريَّة والاجتماعيَّة – تحويلها لاحقاً إلى علاقة زواج. فالقضيَّة هنا ليست في «الحليب» بقدر ما هي في «العلاقة» الّتي ينشئها هذا الحليب، ومن هنا جاء التحريم ليحفظ تماسك الأسرة.
أمَّا زواج الأقارب، فهو موضوعٌ مختلفٌ تماماً، ولا يمكن قياسه على الرضاع، فالعلاقة بين أبناء العمومة أو الأخوال ليست علاقة نشأةٍ واحدةٍ في بيتٍ واحدٍ، ولا تخلق ذلك النوع من الترابط الأسريّ الّذي يمنع الزواج؛ ولهذا لم يأتِ تحريمها في الإسلامِ ولا في غيره من الشرائع، بل إنَّ هذا النوع من الزواج كان ولا يزال موجوداً في مجتمعاتٍ كثيرةٍ، بما فيها مجتمعاتٌ متقدّمةٌ علميَّاً، دون أنْ يُعدَّ ذلك جهلاً أو تناقضاً.
وقد يتحرّز بعض الناس من زواج الأقارب لسببين:
الأول: ما يُنقل عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) من قوله: «لا تنكحوا القرابة القريبة فإنَّ الولد يُخلق ضاوياً» [المحجة البيضاء ج3 ص94]، أي ضعيف بنيةٍ أو نحيفاً - بغض النظر عن صحة الحديث وضعفه -.
والثاني: ما يتداوله بعض الأطباء أو الأخصائيين من أنَّ زواج الأقارب قد يؤدّي إلى زيادة احتمال الإصابة ببعض الأمراض الوراثيَّة.
غير أنَّ تحويل هذه الملاحظات إلى قاعدةٍ عامَّةٍ أو حكمٍ مطلقٍ هو في حدِّ ذاته خللٌ في الفهم.
فالواقع العلميُّ لا يقول إنَّ كلَّ من تزوّج من أقاربه سينجب أولاداً مرضى، ولا إنَّ من تزوّج من غير الأقارب سيضمن بالضرورة صحة أبنائه، فلا يعني بالضرورة وقوع ضررٍ، فالأمر كلّه يتعلق بالاحتمالات لا بالضرورة.
نعم، زواج الأقارب قد يزيد احتمال بعض الأمراض الوراثيَّة في حالاتٍ معينةٍ، لكنَّه ليس حكماً مطلقاً، ولا يؤدي بالضرورة إلى نتائج سلبيَّةٍ، وإلا لكان الواقع الإنسانيُّ مليئاً بانهياراتٍ بيولوجيَّةٍ، وهو ما لا يحدث؛ ولهذا نجد في الواقع أمثلةً كثيرةً على زيجاتٍ بين الأقارب أنجبت أولاداً أصحاء، كما نجد حالاتٍ أخرى – في غير الأقارب – تعاني من أمراضٍ وراثيَّةٍ، وهذا وحده كافٍ لنقض التعميم الّذي يبني عليه أصحاب هذه الشبهة استنتاجاتهم.
ولهذا كان الفهم المتوازن هو الاحتراز لا المنع، أي أن يُنظر في الحالة، فإذا كانت هناك مؤشراتٌ قويَّةٌ على أمراضٍ وراثيَّةٍ متكرّرةٍ في العائلة، كان من الحكمة تجنب هذا النوع من الزواج أو إجراء الفحوص اللازمة، أمَّا تحويل ذلك إلى حكمٍ عامٍّ فهو تجاوزٌ للمعطيات العلميَّة نفسها.
ومن هنا، فإنَّ الإيحاء بأنَّ الإسلام يبيح زواج نصف الأخت - كما يصوّر صاحب الإشكال -، ليس إلا تشويهاً متعمّداً للمفاهيم. فابن العمّ ليس «نصف أخٍ» لا من الناحيَّة العلميَّة الدقيقة، ولا من الناحيَّة الاجتماعيَّة. وهذه العبارة لا تُستخدم إلا لإحداث صدمةٍ لغويَّةٍ تخدم غرضاً دعائيَّاً، لا لتقديم حقيقةٍ علميَّةٍ.
بل يمكن القول إنَّ كثيراً من المشكلات الّتي تُنسب إلى زواج الأقارب لا تعود إلى القرابة بحدِّ ذاتها، بل إلى عوامل أخرى، منها ضعف العناية بالشروط الصحيَّة والنفسيَّة عند اختيار الشريك، أو إهمال التوصيات الواردة في النّصوص الدينيَّة حول آداب الحمل والإنجاب. فقد وردت في التراث الإسلاميّ إرشاداتٌ متعدّدةٌ تتعلق بتهيئة الظروف المناسبة لسلامة النسل، ويمكن مراجعتها في كتبٍ مثل (مكارم الأخلاق) و(وسائل الشيعة)، وهي لا تختص بزواج الأقارب دون غيره، بل تشمل كلَّ أنواع الزواج.
وهذا يكشف عن بعدٍ آخر في المسألة، وهو أنَّ الإسلام لا ينظر إلى الإنجاب كعمليَّةٍ بيولوجيَّةٍ مجرّدةٍ، بل كعمليَّةٍ متكاملةٍ تتداخل فيها الجوانب الجسديَّة والنفسيَّة والروحيَّة، ومن هنا، فإنَّ اختزال الموضوع كلّه في «الجينات» هو في حدِّ ذاته تبسيطٌ مخلٌّ؛ لأنَّ الإنسان ليس مجرّد تركيبٍ وراثيٍّ، بل كائنٌ مركبٌ من أبعادٍ متعدّدةٍ.
أمَّا اللغة الّتي يستخدمها صاحب هذا الطرح - من قبيل «مؤلّف القرآن الجاهل» - فهي تكشف بوضوحٍ أنَّ القضيَّة ليست بحثاً علميَّاً، بل موقفٌ عدائيٌّ يحاول أن يتلبس بلباس العلم، فالعلم الحقيقيُّ لا يُبنى على السخرية، ولا على إطلاق الأحكام المسبقة، بل على التحليل الدقيق والتمييز بين الاحتمال واليقين، وبين الخاصّ والعامّ.
وفي المحصّلة، هذه ليست شبهةً علميَّةً بل مغالطةٌ متعمّدةٌ؛ خلطٌ للمفاهيم وتضخيمٌ لاحتمالاتٍ وانتقاءٌ يخدم موقفاً عدائيَّاً مُسبقاً. أمَّا الحكم الإسلاميّ فمتوازنٌ وواقعيٌّ: يُبيح الأصل، ويُقرّ الاحتراز عند الحاجة، دون تهويلٍ أو تعميمٍ.
اترك تعليق