هل اقتبست الديانات الإبراهيمية قصة الخلق من الأساطير البابلية؟
السؤال: القصص عن الخليقة، ليست براءة اختراعٍ مسجَّلةً باسم الإله الإبراهيميّ، فهي موجودةٌ في تراث كلِّ الشعوب، ولا بدَّ أنَّ وجود هذه القصَّة في التوراة، كانت نتيجة تأثُّر اليهود أثناء فترة السبي البابليّ، بما ورثته بلاد الرافدين من الحضارة السومريَّة والأكاديَّة، ويقول الدكتور سيِّد القمنيّ في كتابه (منابع سفر التكوين ص48 -49): "وقد أخذ الساميّون بهذه الأسطورة، ولكن البطل حمل اسم (أوتنابيشتيم) و(إثرا خاسيس)، و(تجنوح)، لكن الأسطورة المصاغة للبطل (تجنوح)، دخلتها عناصر من قصَّة الخلق، فقالت أنَّ تجنوح لم يستمرّ في الحياة الخالدة، بعد أن خسرها لمَّا أكل من فاكهةٍ محرَّمة، ولنلاحظ القرب الزمانيّ لأسطورة تجنوح من وقت ظهور التوراة، حيث اختُصر فيها (تجنوح) إلى (نوح)، الذي تقول التوراة إنَّه عاش عمراً مديداً بلغ حوالى تسعمئةٍ وخمسين عاماً، وهو يكاد يكون ترديداً لمعنى الخلق الألفيّ، الذي ينقطع فجأةً بالأكل من الثمرة المحرَّمة".
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
قبل الدخول في الردّ التفصيليّ، من المهمّ التنبيه إلى أنَّ هذا النوع من الطروحات ليس جديداً، وقد تناولنا نماذج مشابهةً له في موقعنا، حيث بُيِّنت هناك الإشكالات المنهجيَّة في هذا النوع من المقارنات.
كما لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ النصّ محلّ النقاش مأخوذٌ من مقالٍ منشورٍ في موقعٍ يُعرف باتِّجاهه الأيديولوجيّ الواضح، وهو موقع «الحوار المتمدِّن»، ضمن مقالٍ بعنوان: (صناعة الوهم وقدسيَّة الشيطان) للكاتب حكمت حمزة، وهو سياقٌ لا يمكن فصله عن الخلفيَّة الثقافيَّة التي تتعامل مع النصوص الدينيَّة بوصفها «منتجاً بشريّاً» يجب تفكيكه، لا بوصفها خطاباً له دعوى معرفيَّةٌ مستقلَّة.
بعد هذا التمهيد، يمكن القول بوضوحٍ: إنَّ هذا الطرح لا يقوم على تحقيقٍ علميّ، بل على تجميع انطباعاتٍ متفرِّقة، ثم ربطها بخيطٍ واحدٍ للوصول إلى نتيجةٍ مسبقة، وهي أنَّ النصّ الدينيّ مستنسخٌ من الأساطير.
وهذه النتيجة تُبنى على ثلاث مغالطاتٍ رئيسيَّة:
أوَّلاً: الخلط بين التشابه والاقتباس:
فوجود عناصر مشتركةٍ بين رواياتٍ مختلفةٍ لا يعني بالضرورة أنَّ إحداها أُخذت من الأخرى. وهذه قاعدةٌ بديهيَّةٌ في الدراسات المقارنة. فالتشابه قد يكون ناتجاً عن:
1ـ وحدة الأصل الإنسانيّ في إدراك الأسئلة الكبرى (الخلق، الموت، البداية).
2ـ أو بقايا من وحيٍ قديمٍ تشوَّه عبر الزمن في الثقافات المختلفة.
3ـ أو مجرَّد تقاطعاتٍ سرديَّةٍ طبيعيَّةٍ بين المجتمعات.
لكن تحويل التشابه إلى دليلٍ على الاقتباس يحتاج إلى إثباتٍ تاريخيٍّ مباشر، لا مجرَّد مقارنةٍ سطحيَّةٍ في الأسماء أو بعض التفاصيل.
وثانياً: الانتقاء المقصود:
فالنصّ المعروض ينتقي عناصر محدَّدةً من أساطير مختلفة، ثم يضعها بجانب النصّ التوراتيّ ليقول: «انظروا، هناك تشابه». لكنَّه يتجاهل الفوارق الجوهريَّة بين هذه النصوص، وهي الفوارق التي تقلب النتيجة تماماً.
فأساطير بلاد الرافدين تقوم على:
1ـ تعدُّد الآلهة.
2ـ صراع الآلهة.
3ـ خلق الإنسان ككائنٍ ثانويٍّ لخدمة الآلهة.
بينما النصّ التوراتيّ - ومن بعده القرآنيّ - يقوم على:
1ـ إلهٍ واحد.
2ـ خلقٍ مقصودٍ ومنظَّم.
3ـ مركزيَّة الإنسان بوصفه مخلوقاً ذا معنىً ومسؤوليَّة.
فهل يُعقل أن يكون النصّ منسوخاً، ثم يختلف مع الأصل في البنية الفلسفيَّة الكاملة؟
وثالثاً: القفز من إمكانيَّة التأثُّر إلى حتميَّة الاقتباس:
فالقول بأنَّ اليهود تأثَّروا بالبيئة البابليَّة خلال السبي هو طرحٌ تاريخيٌّ قابلٌ للنقاش، لكن تحويل هذا الاحتمال إلى «دليلٍ قاطع» على أنَّ النصّ التوراتيّ مأخوذٌ من الأساطير هو قفزةٌ غير مبرَّرة.
أين الدليل النصِّيّ المباشر؟
أين المخطوطة التي تُظهر عمليَّة النقل؟
أين السند التاريخيّ الذي يثبت أنَّ هذه القصَّة انتقلت بهذا الشكل؟
ما يُقدَّم هنا ليس أكثر من تركيبٍ افتراضيّ، يُبنى على تشابهاتٍ عامَّة، ثم يُقدَّم كأنَّه نتيجةٌ علميَّة.
أمَّا الاستشهاد بكلام بعض الكتَّاب مثل سيِّد القمنيّ، فهو لا يضيف قيمةً علميَّةً حقيقيَّة؛ لأنَّ القضيَّة ليست في «من قال»، بل في «كيف أثبت». والنصّ الذي نُقل عنه لا يقدِّم برهاناً، بل يعيد نفس الفكرة، وهذه مغالطةٌ واضحة.
ثمَّ إنَّ الربط بين اسم «تجنوح» و«نوح»، أو بين فكرة «الثمرة المحرَّمة» و«قصَّة الخلق»، بهذه الطريقة، يكشف عن تعسُّفٍ في المقارنة أكثر ممَّا يكشف عن علاقةٍ حقيقيَّة؛ لأنَّ التشابه الصوتيّ أو الرمزيّ لا يكفي لإثبات أصلٍ مشترك، وإلَّا لكان يمكن ربط أيِّ قصَّةٍ بأيِّ قصَّةٍ أخرى بمجرَّد وجود عنصرٍ مشترك.
الأهمّ من ذلك كلِّه، أنَّ هذا الطرح يتجاهل احتمالاً منطقيّاً قويّاً:
وهو أن تكون هذه الأساطير نفسها تحريفاتٍ لروايةٍ أصليَّةٍ أقدم.
فإذا كانت فكرة الطوفان أو الخلق موجودةً في ثقافاتٍ متعدِّدة، فلماذا يُفترض تلقائيّاً أنَّ النصّ الدينيّ «أخذ منها»، ولا يُفترض العكس، أو يُفترض وجود أصلٍ أقدم مشترك؟
هذا الانتقاء في الفرضيَّات يكشف أنَّ الهدف ليس البحث عن الحقيقة، بل تأكيد فرضيَّةٍ مسبقة: الدين نتاجٌ بشريّ.
وفي المحصِّلة، فإنَّ هذا الادِّعاء لا يقوم على منهجٍ علميٍّ متماسك، بل على:
1ـ خلطٍ بين التشابه والاقتباس.
2ـ تجاهل الفروق الجوهريَّة.
3ـ قفزٍ غير مبرَّرٍ من الاحتمال إلى اليقين.
4ـ وانتقاءٍ يخدم نتيجةً مسبقة.
ولذلك، فإنَّ ما يُقدَّم هنا ليس كشفاً علميّاً، بل قراءةٌ أيديولوجيَّةٌ تحاول أن تعيد تفسير النصوص الدينيَّة ضمن إطارٍ مادِّيٍّ مسبق، حتَّى لو كان ذلك على حساب الدقَّة والمنهج.
اترك تعليق