هل المشكلة في دخول الدين إلى السلطة أم في سوء استخدامه؟
السؤال: يقول البعضُ: لم يفشلِ الدّينُ لأنّه أخطأ في قِيَمِه، بل لأنّنا أخرجناه من مجاله الأخلاقيّ وأدخلناه سوقَ السّلطة، في العالم العربيّ، لم يُستخدَمِ الدّينُ كضميرٍ عامٍّ، بل كآليةِ ضبطٍ، كخطابِ تعبئةٍ. هل ينطبق ذلك على مذهب التشيّع في عالمنا المعاصر إذ نرى المذهبَ زُجَّ به في عالم السياسةِ والإعلامِ والاقتصادِ وحروبِ الدّول؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا النّصُّ الذي يُستشهَدُ به هو مقتطَعٌ من منشورٍ بعنوان (حين يتحوّل المقدّسُ إلى سلطةٍ)، وقد ركّز فيه كاتبُه على فكرة أنّ المشكلةَ لم تكن في الإيمانِ نفسِه، بل في احتكارِه وتوظيفِه، بحيث يتحوّل المقدّسُ – حين يُنطَقُ باسم الدّولة أو الحزب أو الجماعة – من مصدرٍ للهداية إلى أداةٍ للضبط والتعبئة، وتُختزَلُ القيمُ الكبرى كالعدل والرّحمة في شعاراتٍ، بينما تُدارُ السياسةُ بمنطق الغلبة.
وهذه الملاحظةُ – في صورتها العامَّةِ – لا تخلو من قدرٍ من الصّحّةِ، سواءً في تجربةِ بعضِ السّلطات الحاكمة أو حتّى في ممارساتِ بعضِ الحركات الدّينيَّةِ.
لكن الخللَ يبدأ حين تتحوّل هذه الملاحظةُ الجزئيَّةُ إلى حكمٍ كليٍّ، وكأنَّ المشكلةَ في «دخول الدّين إلى مجال السّلطة» من حيث الأصلُ، وهنا ينبغي التفريقُ بدقّةٍ بين مستويين: بين «حضور الدّين في المجال العامّ»، وبين «توظيف الدّين توظيفاً منحرفاً لخدمة السّلطة».
فالدّينُ – وبخاصّةٍ في التصوّر الإسلاميّ – ليس مجرّدَ تجربةٍ روحيّةٍ معزولةٍ عن الحياة، بل هو منظومةٌ قيميّةٌ موجِّهةٌ للسلوك الإنسانيّ في مختلف الميادين، بما فيها ميدانُ السّلطةِ والسياسةِ.
ومن هنا، فإنَّ المطالبةَ بعزل الدّين عن السّلطة بدعوى الحفاظ على «نقائه الأخلاقيّ» تنطوي على تناقضٍ؛ لأنّ هذا العزلَ في حقيقته يُفرغُ الدّينَ من وظيفتِه التوجيهيَّةِ، ويتركُ السّلطةَ بلا معيارٍ أخلاقيٍّ يُحاسبها أو يضبطها.
وعليه، فالمشكلةُ ليست في «تحويل الدّين إلى سلطةٍ»، بل في كيفيَّةِ استخدامِ هذه السّلطةِ، فحين تتحوّلُ القيمُ الدّينيَّةُ إلى غطاءٍ لتبرير الظلم أو الاستبداد، يكون الخللُ في الممارسة لا في المبدأ، أمّا إذا حضر الدّينُ بوصفه مرجعيّةً أخلاقيّةً تُقوِّمُ السّلطةَ وتحدّ من انحرافها، فإنّه يؤدّي دورَه الطبيعيّ في ترشيد الحياةِ العامَّةِ، لا في إفسادها.
أمّا فيما يتعلّقُ بالسؤال عن مذهب التشيّع في عالمنا المعاصر، فلا يمكن إصدارُ حكمٍ واحدٍ جامعٍ؛ لأنّ الواقعَ متنوّعٌ ومركّبٌ، فهناك تجاربٌ وظّفت الدّينَ سياسيّاً بشكلٍ يثيرُ الإشكالَ، كما أنّ هناك في المقابل مساحاتٍ واسعةً ما زال فيها الدّينُ يُقدَّمُ بوصفه منظومةً قيميّةً وأخلاقيّةً لا تُختزَلُ في الصّراع السياسيّ، فتعميمُ صورةٍ واحدةٍ على كلّ هذا الواقع هو نوعٌ من الاختزال الذي لا يساعدُ على الفهم.
بل إنّ من المهمّ الإشارةَ إلى أنّ حضورَ التشيّع في المجال السياسيّ – كما في غيره – لا يعني بالضرورةِ أنّه فقد طبيعتَه الدّينيَّةَ، بل قد يعكس محاولةً لإدخال القيم الدّينيَّةِ في إدارة الشأن العامّ. غير أنّ نجاحَ هذه المحاولة أو فشلها يرتبط بمدى الالتزام بتلك القيم، لا بمجرّد رفع شعارها.
وفي المحصّلة، فإنّ القولَ بأنّ «الدّينَ فشل لأنّه دخل مجال السّلطة» ليس دقيقاً. الأدقُّ أنْ يُقالَ: إنّ الدّينَ يُساءُ استخدامُه حين يُحوَّلُ إلى أداةٍ بيد السّلطةِ، كما يُساءُ استخدامُه حين يُفصلُ عنها فيُفرَغُ من تأثيره. فالمشكلةُ ليست في حضور الدّين في السياسةِ، بل في غياب القيم التي جاء بها عن هذا الحضور، أو في توظيفها توظيفاً انتقائيّاً يخدم الغلبةَ لا العدلَ.
اترك تعليق