هل نظام الافتراس في الطبيعة ظلم أم سوء فهم؟

السؤال: نظامُ تغذيةِ الكائناتِ الحيَّةِ بعضها على البعض الآخر، هذا النّظامُ - الذي وضعه الإلهُ الإبراهيميُّ للتغذيةِ كي تتمكَّنَ من الاستمرارِ بالحياةِ - نظامٌ ظالمٌ، منافٍ تماماً لصفةِ الإلهِ العادلِ الذي تتغنّى به الأديانُ الإبراهيميَّةُ.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

قبل الدّخولِ في التّفصيلِ، لا بدَّ من تفكيكِ الخلفيَّةِ التي ينطلقُ منها هذا الاعتراضُ، فالكلامُ صادرٌ عن طرحٍ لا دينيٍّ، لا يعترفُ بمرجعيَّةٍ أخلاقيَّةٍ متجاوزةٍ، ومع ذلك يستخدمُ مفاهيمَ مثل «العدلِ والظلمِ» وكأنَّها حقائقُ موضوعيَّةٌ مُلزِمةٌ، وهذا في ذاتِه تناقضٌ واضحٌ؛ لأنَّ الحكمَ بأنَّ هذا النّظامَ «ظالمٌ» يفترضُ وجودَ معيارٍ أخلاقيٍّ ثابتٍ يُحتكَمُ إليه، فإذا كان الكونُ – وفق هذا التصوّرِ – بلا خالقٍ ولا غايةٍ ولا قيمةٍ موضوعيَّةٍ، فمن أين جاءت فكرةُ «العدلِ» أصلاً؟ وعلى أيِّ أساسٍ تُفرَضُ على الكونِ؟ هل هي مجرّدُ شعورٍ بشريٍّ؟

فإن كانت كذلك، فهي نسبيَّةٌ لا تُلزمُ إلا صاحبَها، ولا يصحُّ أن يُحاكَمَ بها نظامٌ كونيٌّ كاملٌ.

وإن قيل بموضوعيَّتِها، فقد أُقِرَّ بوجودِ معيارٍ أخلاقيٍّ يتجاوزُ الإنسانَ، وهو ما ينقضُ أصلَ الموقفِ.

ومن هنا، فالإشكالُ يبدأُ قبل الحديثِ عن «نظامِ التغذيةِ» أصلاً؛ لأنَّه قائمٌ على استخدامِ حكمٍ أخلاقيٍّ مع نفيِ أساسِه.

وحتّى يتَّضحَ ذلك بصورةٍ أدقَّ، يمكنُ تلخيصُ الجوابِ في عدَّةِ نقاطٍ:

أوَّلاً: وصفُ النّظامِ الطّبيعيِّ بأنَّه ظالمٌ، يفترضُ أنَّ مفاهيمَ الظّلمِ والعدلِ –كما نفهمُها نحن في العلاقاتِ الإنسانيَّةِ – يمكنُ إسقاطُها مباشرةً على الطّبيعةِ، وهذا غيرُ دقيقٍ؛ لأنَّ الظلمَ في معناه الحقيقيِّ هو التعدّي الواعي من فاعلٍ مختارٍ على حقِّ غيرِه، بينما ما يجري في عالمِ الكائناتِ ليس أفعالاً أخلاقيَّةً بهذا المعنى، بل هو جزءٌ من نظامٍ بيولوجيٍّ تحكمُه الغرائزُ والسّننُ الكونيَّةُ، لا الاختيارُ الأخلاقيُّ. فهل نصفُ النّارَ بأنَّها ظالمةٌ لأنَّها تحرقُ؟ أم أنَّ هذه أوصافٌ خارجةٌ عن محلِّها؟

وثانياً: الاعتراضُ ينتقي جانباً واحداً من النّظامِ ويضخّمُه، ويتجاهلُ بقيَّةَ الصّورةِ، فالنّظامُ الحيويُّ ليس قائماً على الافتراسِ فقط، بل على توازنٍ معقَّدٍ يشملُ التّكاثرَ، والرّعايّةَ، والتّكافلَ داخلَ الأنواعِ، والتّناغمَ البيئيَّ، ودوراتِ الحياةِ التي تحفظُ استمرارَ النّظامِ ككلٍّ. بل حتّى ما يُسمّى "نظامَ الافتراسِ" هو جزءٌ من هذا التّوازنِ، يمنعُ الانفجارَ العدديَّ، ويحافظُ على بقاءِ الأنواعِ. فهل يُختزَلُ كلُّ هذا في مشهدٍ واحدٍ ليُحكَمَ عليه بأنَّه ظلمٌ؟

وثالثاً: إذا اعتبرنا هذا النّظامَ غيرَ عادلٍ، فما هو البديلُ الواقعيُّ؟ هل نظامٌ بلا موتٍ؟ أو بلا تغذيةٍ؟ أو بلا دورةِ حياةٍ؟ أيُّ كائنٍ حيٍّ - لكي يعيشَ – يحتاجُ إلى طاقةٍ، وهذه الطّاقةُ لا بدَّ أن تُستمدَّ من شيءٍ آخرَ، سواءً كان نباتاً أو حيواناً.

فهل المشكلةُ في «أكلِ الحيوانِ للحيوانِ» فقط، أم في أصلِ فكرةِ أنَّ الحياةَ قائمةٌ على انتقالِ الطّاقةِ؟ إذا رُفِضَ هذا الأصلُ، فلا يبقى نظامُ حياةٍ أصلاً.

ورابعاً: الاعتراضُ يفترضُ أنَّ العدلَ الإلهيَّ يجبُ أنْ يعني «راحةَ كلِّ كائنٍ وعدمَ تأثُّرِه بغيرِه»، وهذا تصوّرٌ مثاليٌّ لا ينسجمُ مع طبيعةِ العالمِ الماديِّ القائمِ على التفاعلِ والتأثيرِ المتبادلِ.

فالعدلُ – في الرّؤيةِ الدّينيَّةِ – لا يعني غيابَ الألمِ أو الموتِ، بل يعني أنَّ النّظامَ في مجملِه قائمٌ على حكمةٍ وتوازنٍ، وأنَّ كلَّ كائنٍ موضوعٌ في سياقٍ يؤدّي فيه دورَه ضمن هذا النّظامِ.

وفي المحصّلةِ، المشكلةُ ليست في النّظامِ الكونيِّ، بل في طريقةِ النّظرِ إليه. فحين يُؤخَذُ جزءٌ منه ويُعزَلُ عن سياقِه، ثمَّ يُحاكمُ بمعاييرَ لا تنطبقُ عليه، يُتوهَّمُ فيه الظلمُ توهّماً، لا أنَّه ظالمٌ في ذاتِه. أمّا إذا نُظِرَ إليه بوصفِه نظاماً متكاملاً يقومُ على التّوازنِ والدّوراتِ الحيويَّةِ، فإنَّ ما يُتخيَّلُ ظلماً ينكشفُ عن كونِه جزءاً من بنيةٍ أوسعَ تحفظُ الحياةَ نفسَها. وبالتالي، الاعتراضُ لا يكشفُ خللاً في النّظامِ، بل يكشفُ خللاً في الفهمِ.