صحبة الأعمش للإمام الصادق (ع) تدليس أم حقيقة؟

السؤال: ادعى أحدهم: أنّه قد وضع الطوسيّ (٤٦٠هـ) من الإمامية ترجمةً للأعمش، وجعله من أصحاب جعفر بن محمدٍ (١٤٨هـ)، وذلك سهلٌ ميسورٌ عليهم، إذ إنّه لما وجد أنَّ الأعمش فيه تشيعٌ، ونظر في تاريخ وفاته (١٤٨ هـ)، ثمَّ نظر إلى أقرب إمامٍ يدعيه في زمنه فكان جعفر بن محمدٍ (١٤٨هـ) وقد توفي في العام نفسه، فألحق الأعمش به وجعله في أصحابه، دون أيّ التفاتٍ منه إلى أنَّ الأعمش كوفيّ، وجعفر في المدينة، فالمهم أنْ يقرّبه إلى من يدعي فيه العصمة والإمامة!

: اللجنة العلمية

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ السؤال قد بُني على افتراضاتٍ غير مبرهنةٍ ولا مبينةٍ وهي: افتراض أنّ معنى الصحبة في كلمات الشيخ الطوسيّ بالخصوص تعني الملازمة، وأنّ الأعمش لا علاقة له بالمدينة، وأنّ الإمام الصادق (عليه السلام) لا علاقة له بالكوفة، فيكون السؤال مشروعاً ووارداً.

ولذلك يكون الجواب في نقاطٍ تعالج هذه الافتراضات:

النقطة الأولى: في معنى الصحبة في رجال الشيخ الطوسيّ:

قد جعل الشيخ الطوسيّ موضوع كتابه ذكر أسماء الرواة مرتبين على وفق المروي عنه من المعصومين مبتدأً بالنبيّ (صلى الله عليه وآله)، ليختم بمَن لم يروِ عنهم (عليهم السلام)، كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه:

(أما بعد، فإنّي قد أجبتُ إلى ما تكرّر سؤال الشيخ الفاضل فيه، من جمع كتابٍ يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن الأئمّة (عليهم السلام) من بعده إلى زمن القائم (عليه السلام)، ثمّ أذكر بعد ذلك مَن تأخّر زمانه من رواة الحديث أو مَن عاصرهم ولم يروِ عنهم) [الرجال ص17].

وكلامه واضحٌ في أنّ الوجه في عدّ الشخص في أصحاب المعصوم (ع) هو روايته عن المعصوم، ولا يعني بذلك الملازمة للمعصوم (ع)، كما لا يعني مجرّد المعاصرة وإنْ لم ترد الرواية.

فعنوان «أصحاب» الوارد في عناوين أكثر الأبواب: (أصحاب أبي محمد الحسن بن علي)، (أصحاب أبي عبد الله الحسين بن علي)، إلى آخر الأئمة (ع)، يريد به الرواية عن المعصوم (ع)، وقد عنون البابين الأولين هكذا: (باب مَن روى عن النبيّ (ص) من الصحابة)، (أسماء مَن روى عن أمير المؤمنين).

ولهذا نجده قد ذكر جماعةً من المخالفين، بل ومن المبغضين لأهل البيت (ع)، في جملة أصحابهم، وليس ذلك إلّا لروايتهم عنهم (ع).

قال السيّد الخوئيّ: (عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس: أبو جعفر المنصور، من أصحاب الصادق (عليه السلام)، رجال الشيخ. أقول: إنّ عداءه للصادق (عليه السلام)، وغصبه للخلافة، وقتله الإمام وجمعاً كثيراً من ذريّة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لا يكاد يخفى، وإنّما ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام) لأنّ له رواياتٍ عنه (سلام الله عليه)، رواها أصحاب السير) [معجم رجال الحديث ج11 ص332].

وقال المحقّق التستريّ: (وأمّا عدّ الشيخ له في أصحاب الصادق (عليه السلام) فأعمّ أيضاً من الإماميّة، فعدّ المنصور الدّوانيقي وأبا حنيفة في أصحابه، وإنّما عدّهم في أصحابه (عليهم السلام) لروايتهم عنه (عليه السلام)) [الأخبار الدخيلة ج1 ص186].

وهذا الاستعمال متعارفٌ ببن أرباب الحديث حتى من أهل السنة، قال الدكتور عبد السلام أبو سمحة في رسالته بعنوان [معرفة أصحاب الرواة وأثرها في التعليل، دراسةٌ نظريةٌ تطبيقيةٌ في علل أصحاب الأعمش]:

(ذكر الأصحاب في سياق تراجم الرواة:

كثيراً ما يذكر أهل الجرح والتعديل في سياق تحديثهم عن الرواة إنّ فلاناً من أصحاب فلانٍ، وعند البحث فيمن قيل فيهم إنّهم من أصحاب فلانٍ لا نجد في ذلك ما يميز راوياً عن آخر، إنّما الجامع بينهم مجرد الرواية عن ذلك الشيخ، من هنا نجدهم يقولون في أثبت الرواة والمتروكين عن شيخٍ ما إنّهم أصحابه ليدلّ ذلك على أنّ هذه المقولة تشمل كلّ الرواة عنه)، ثم ذكر مثالاً بأصحاب شعبة.

يظهر ممّا تقدّم: أنّ الوجه في عدّ الشيخ الطوسيّ للشخص في أصحاب أحد الأئمّة (عليهم السلام) هو روايته عن ذلك الإمام، وليس الوجه بأن يكون من الشيعة أو من الإمامية أو من الملازمين للمعصوم.

النقطة الثانية: في علاقة الأعمش بالمدينة:

وهذا الافتراض مستبطنٌ بافتراضٍ آخر لابدّ من الإشارة إلى ضعفه قبل تزييف الافتراض الأصليّ، وهو أنّ اختلاف البلدان بين الرواة مانعٌ من التلمذة والصحبة، وهو واضح الخطأ لمن يملك أدنى اطلاعٍ على علوم الحديث، فإنّ من شؤون طلاب الحديث وشيوخه هو الرحلة في سبيله والسفر نحو الشيوخ المعروفين والحواضر العلميّة، حتى أُلفت فيها الكتب ومن أشهرها كتاب الخطيب البغداديّ (الرحلة في طلب الحديث).

نعم للاتفاق والاختلاف في البلد أثرٌ مهمٌ في قبول الرواية ورفضها والترجيح بين الروايات، إلّا أنّ هذا أثرٌ آخر قد يكون مبنيّاً على إمكان الرواية، وقد بيّن أهميّته في كتب علوم الحديث تحت عنوان (أوطان الرواة وبلدانهم) [ينظر: منهج النقد في علوم الحديث لنور الدين عتر ص158].

وذكر الحاكم النيسابوريّ نموذجاً على اختلاف الرواة في البلدان:

(أخبرنا إبراهيم بن عصمة العدل، قال: حدّثنا أبي، قال: ثنا عبدان بن عثمان، قال: ثنا أبو حمزة عن إبراهيم الصائغ، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله (ص): «مَن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنّة».

قال أبو عبد الله: جابر بن عبد الله من أهل قبا مدنيّ، وأبو الزبير مكيّ، وإبراهيم الصائغ وأبو حمزة وعبدان مروزيّون، وشيخنا وأبوه نيسابوريّان.

حدّثنا أبو العباس محمّد بن يعقوب، قال: ثنا إبراهيم بن منقذ الخولانيّ، قال: حدّثني إدريس بن يحيى، عن عبد الله بن عيّاش، قال: حدّثني عبد الله بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر: «أنّ رسول الله (ص) قال: إنّ الله وملائكته يصلّون على المتسحّرين».

قال أبو عبد الله: ابن عمر ونافع مدنيّان، وعبد الله بن سليمان وعبد الله بن عيّاش وإدريس وإبراهيم بن منقذ مصريّون.

حدّثنا أبو الحسن أحمد بن محمد العنزيّ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيد بن خالد الدارميّ، قال: حدّثني إبراهيم بن أبي الليث، قال: حدّثنا الأشجعيّ، عن سفيان الثوريّ، عن هشام بن سعد، عن المقبريّ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): «إنّ الله قد أذهب عنكم عبية الجاهليّة وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم، وآدم من ترابٍ، مؤمنٌ تقيٌ وفاجرٌ شقيٌ، لينتهين أقوامٌ يفخرون برجالٍ، إنّما هم فحمٌ من فحم جهنّم، أو ليكونوا أهون على الله من جعلان تدفع النتن بأنفها».

قال أبو عبد الله: أبو هريرة مدنيّ، وكذلك المقبريّ، وهشام بن سعد الثوريّ والأشجعيّ كوفيّان، وإبراهيم بن أبي الليث بغداديّ، وعثمان بن سعيد سجزيّ، شيخنا نيسابوريّ) [معرفة علوم الحديث ص١٩٥].

وإنّ تصفّحاً سريعاً لأسماء شيوخ الأعمش يبيّن عن مدى علاقة الأعمش بالمدينة وشيوخها، فقد روى عن مجموعةٍ منهم، أذكر بعضهم: عبد الله بن ذكوان، وزيد بن أسلم، وأبو صالح السمان، وصفوان بن سليم، وعلى رأسهم الإمام الباقر (عليه السلام).

ولكن عندما يُدرك أنّ هناك رحلاتٍ لطلب الحديث ورحلاتٍ للحجاز للحجّ وزيارة قبر النبيّ (ص) ومسجده، يرتفع أيّ وهمٍ أدّى لهذا الافتراض. نعم، رُوي أنّ زوجته قالت: إنّه ترك الحجّ ثلاثين سنةً مخافةَ أن يُضرب أو يُشتم [ينظر: العقد الفريد ج8 ص137].

النقطة الثالثة: في علاقة الإمام الصادق (ع) بالكوفة:

قد ذكر علماء الرجال من أهل السنة مجموعةً من تلامذة الإمام والرواة عنه من أهل الكوفة، أذكر لك بعضهم: أبا حنيفة، الحسن بن صالح بن صالح بن حي، الحسن بن عيّاش الأسديّ، حفص بن غياث، زيد بن الحسن الأنماطيّ، سفيان بن عيينة، محمد بن ميمون الزعفرانيّ، معاوية بن عمار الدهنيّ، وهيب بن خالد بن عجلان.

وقد ورد: أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) قد سافر إلى الكوفة واستوطنها مدّةً، قد اختلف في مقدارها الباحثون، إلّا أنّ بعضهم استنتج أنّها سنتان، وهي مدّةٌ كافيةٌ لصدق الاختصاص والملازمة بين الراوي وشيخه، بل حتّى لو كانت أقلّ، فقد ذكر بعض الباحثين من أهل السنة: أنّ مقدار عامٍ واحدٍ كافٍ لصدق الملازمة بين التلميذ والأستاذ؛ إذ هي تمتدّ من عامٍ واحدٍ إلى عشرة أعوامٍ [ينظر: الملازمة وأثرها على الراوي المروي للدكتور محمود رشيد ص١٣١].

وبهذا يصحّ ما ذُكر في كلام ابن شهر اشوب: أنّه من خواصّ أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).

وقد روى الشيخ الطبرسيّ لقاءً بين الإمام الصادق والأعمش في الكوفة، إذ قال: (عن سليمان الأعمش، قال: «كنتُ مع جعفر بن محمدٍ (عليهما السلام) على باب أبي جعفر المنصور، فخرج من عنده رجلٌ مجلودٌ بالسوط، فقال لي: يا سليمان، فانظر ما فصّ خاتمه. قلت: يا ابن رسول الله، فصّه غير عقيقٍ. فقال: يا سليمان، أما إنّه لو كان عقيقاً لَـمَا جُلد بالسوط. قلت: يا ابن رسول الله، زدني. قال: يا سليمان، هو أمانٌ من قطع اليد، قلت: يا ابن رسول الله، زدني. قال: يا سليمان هو أمانٌ من الدم. قلت: يا ابن رسول الله، زدني. قال: يا سليمان، إنّ الله عزّ وجلّ يحبّ أن ترفع إليه في الدعاء يدٌ فيها فص عقيقٍ. قلت: يا ابن رسول الله، زدني. قال: العجب كلّ العجب من يدٍ فيها فص عقيقٍ كيف تخلو من الدنانير والدراهم. قلت: يا ابن رسول الله، زدني. قال: يا سليمان، إنّه حرزٌ من كلّ بلاءٍ. قلت: يا ابن رسول الله، زدني. قال: يا سليمان، هو أمانٌ من الفقر. قلت: يا ابن رسول الله، أحدّث بها عن جدّك الحسين بن عليّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال نعم») [مكارم الأخلاق ص88].

ورُوي بالإسناد عن الأعمش سليمان بن مهران قال: «دخلت على الصادق جعفر بن محمّدٍ (عليهما السلام) وعنده نفرٌ من الشيعة، فسمعته، يقول: يا معشر الشيعة، كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا لنا شيناً، قولوا للناس حسناً، واحفظوا ألسنتكم، وكفّوها عن الفضول وقبح القول» [الأمالي للصدوق ص٤٨٤ ح١٧، والأمالي للطوسي ص٤٤٠ ح٤٤].

نعم، في بعض الأحيان يروي عن الصادق (ع) بتوسّط راوٍ آخر بينهما، كما ورد عن الأعمش، عن شقيق، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أجيبوا الداعي، وعودوا المريض، واقبلوا الهديّة، ولا تظلموا المسلمين» [الأمالي للطوسي ص٢٥٢].

فهذا منسجمٌ تماماً مع ابتعاد البلدين.

وأمّا مصدر الشيخ الطوسيّ في إثبات الصحبة والتلمذة، فهي من كتاب ابن عقدة، كما ذكر في مقدّمة الكتاب أنّه اعتمد عليه في أصحاب الإمام الصادق (ع).

وإنْ منعت من ذلك، فمن خلال تصفّح الأسانيد ورواية الأعمش عن الإمام الصادق (عليه السلام) في كتب الشيعة [ينظر: قبسات من علم الرجال ج١ ص٢٧٨].

ولو لم يُقبل أسباب الاجتماع المتقدّمة، فيكون الأعمش قد دلّس روايته عن الإمام الصادق (ع)، كما هو معروفٌ بذلك في كتب القوم، لا أن يُتّهم الشيخ الطوسي بالتدليس.

قال ابن شهبة:

(القسم الثالث: تدليس التسوية: وهو أن يسقط المدلّس غير شيخه لضعفه أو لصغره، فيصير الحديث ثقةً عن ثقةٍ، فيُحكم له بالصحّة. وممن اشتهر بذلك الوليد بن مسلم، كان يحذف شيوخ الأوزاعيّ الضعفاء ويبقي الثقات، فقيل له: لقد أفسدت حديث الأوزاعيّ، قال: كيف؟ فقيل له: تروي عن الأوزاعيّ عن نافعٍ، وعن الأوزاعيّ عن الزهريّ، وغيرك يدخل بين الأوزاعيّ وبين نافعٍ عبد الله بن عامر الأسلميّ، وبينه وبين الزهريّ إبراهيم بن مرّة، قال: أنبل الأوزاعيّ أن يروي عن مثل هؤلاء فقيل له: فإذا روى عن هؤلاء، وهم ضعفاء أحاديث مناكير, فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعيّ عن الثقات ضُعّف الأوزاعيّ؟ فلم يلتفت الوليد إلى ذلك القول؛ قال الخطيب: وكان الأعمش وسفيان الثوريّ يفعلان مثل هذا.

وهذا النوع شرّ الأقسام، وفيه تغريرٌ شديدٌ، قال العراقيّ: وهو قادحٌ فيمن تعمّد فعله، وقال الحافظ ابن حجر: لا شك أنّه جرحٌ، وإن وُصف به الثوريّ والأعمش، فلا اعتذار عنهما أنّهما لا يفعلانه إلّا في حقّ من يكون ثقةً عندهما ضعيفاً عند غيرهما) [الوسيط في علوم ومصطلح الحديث ص٣٠٠].

إن قيل: إنّ الأعمش يُعدّ أكبر عمراً من الإمام، ولا أقلّ من أقرانه، فكيف يروي عنه؟

قلت: إنّ رواية الأكابر عن الأصاغر والأقران ظاهرةٌ حديثيّةٌ معروفةٌ، تناولها علماء الحديث في كتب علومه [ينظر: تدريب الراوي ج٢ ص٧١٢، وص٧١٦].

تبقى قضيّةٌ أخيرةٌ، وهي سبب عدم ورود روايته عن الإمام الصادق (عليه السلام) في كتب أهل السنة. فهذه يُحتمل فيها التقيّة؛ فإنّ بعض الرواة ترك التحديث عن الإمام خوفاً كما قيل في مالكٍ، فقد قال الدراورديّ: (لم يروِ مالكٌ عن جعفرٍ حتّى ظهر أمر بني العباس) [تهذيب التهذيب ج2 ص88].

وكان الأعمش يستجيب للضغوط عليه في الرواية عن أهل البيت، فعن عيسى بن يونس قال: (ما رأيت الأعمش خضع إلّا مرّةً واحدةً، فإنّه حدّثنا بهذا الحديث ــ أي حديث عليٍّ (عليه السلام): «أنا قسيم الجنّة والنار» ــ، فبلغ ذلك أهل السنّة، فجاؤوا إليه، فقالوا: أتحدّث بأحاديث تقوي بها الرافضة والزيديّة والشيعة؟ فقال: سمعته فحدّثّت به. فقالوا: فكلّ شيءٍ سمعته تحدّث به؟ قال: فرأيته خضع ذلك اليوم) [الضعفاء للعقيليّ ج3 ص416].

قال أبو معاوية: (قلنا للأعمش: لا تحدّث هذه الأحاديث. قال: يسألوني فماذا أصنع؟ ربما سهوت، فإذا سألوني عن شيءٍ من هذا فسهوت فذكروني.

قال: وكنا يوماً عنده فجاء رجلٌ، فسأله عن حديث قسيم النار. قال: فتنحنحت. قال: فقال الأعمش: هؤلاء المرجئة لا يدعوني أحدث بفضائل عليٍّ أخرجوهم من المسجد حتّى أحدثكم) [تاريخ دمشق ج42 ص298].

ويُحتمل أنّ سبب الترك عدم رغبة الرواة سماع روايته عن الإمام الصادق (ع) لنفس سبب تركهم التحديث عن الإمام، فقد نقل ابن حجر في ترجمة الإمام الصادق (ع) موارد:

(قال مصعب الزبيريّ: كان مالكٌ لا يروي عنه حتّى يضمّه إلى آخر.

وقال ابن المدينيّ: سُئل يحيى بن سعيدٍ عنه، فقال: في نفسي منه شيءٌ، ومجالدٌ أحبّ إليّ منه.

وقال سعيد بن أبي مريم: قيل لأبي بكر بن عياشٍ: ما لك لم تسمع من جعفرٍ وقد أدركته؟ قال: سألناه عمّا يتحدّث به من الأحاديث، أشيءٌ سمعته؟ قال: لا، ولكنّها روايةٌ رويناها عن آبائنا.

وقال أحمد بن سعد بن أبي مريم: عن يحيى: كنت لا أسأل يحيى بن سعيدٍ عن حديثه، فقال لي: لِمَ لا تسألني عن حديث جعفر بن محمدٍ؟ قلت: لا أريده، فقال لي: إنّه كان يحفظ.

قلت: وقال ابن سعدٍ: كان كثير الحديث، ولا يُحتجّ به، ويُستضعف. سُئل مرّةً سمعت هذه

الأحاديث من أبيك؟ فقال: نعم. وسُئل مرّةً، فقال: إنّما وجدتها في كتبه.

قلت: يُحتمل أن يكون السؤالان وقعا عن أحاديث مختلفةٍ، فذكر فيما سمعه أنّه سمعه، وفيما لم يسمعه أنّه وجده، وهذا يدلّ على تثبّته) [تهذيب التهذيب ج2 ص88ـ89].

وعن سفيان: (كنّا إذا رأينا طالباً للحديث يغشى ثلاثةً ضحكنا منه: ربيعة، ومحمّد بن أبي بكر بن حزمٍ، وجعفر بن محمّدٍ، لأنّهم كانوا لا يتقنون الحديث) [سير أعلام النبلاء ج6 ص91]